الرئيسيةالمنشوراتس .و .جبحـثالتسجيلدخول
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 الأسطول الفاطمي ـــ التواني بوبكر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سامية سعيد
عضو قيد النشاط
عضو   قيد النشاط


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 27
تاريخ الميلاد : 15/02/1990
العمر : 27

مُساهمةموضوع: الأسطول الفاطمي ـــ التواني بوبكر   06.12.12 17:26

الأسطول الفاطمي ـــ التواني بوبكر

تمتع البحر المتوسط منذ أقدم العصور إلى الوقت الحاضر بموقع جغرافي فريد من نوعه، جعله مطمع كل قوة تبغي لنفسها الازدهار والسلطان في هذا المجال البحري، وعلى الرغم من هذا لم تستطع أية قوة أجنبية أن تنال الخلود الذي تمتع به العرب باستقرارهم على شواطئ هذا البحر.‏

فكم من حضارة قامت على جوانب هذا الحوض المائي الهام، وازدهرت، وبلغت ذروتها.. ثم أتى عليها الزمن، فاندرست واندثرت، وأصبحت أثراً بعد عين! وكانت الحضارة العربية نغماً فريداً خالداً بين أترابها، وما زالت أقدام بني يعرب راسخة ممتدة الجذور إلى يومنا هذا في رقعة شاسعة تضم شواطئ الشام ومصر وأفريقية، بما يعادل نصف شواطئ المتوسط(1). ويعزى سر هذا الخلود إلى أن العرب اتخذوا أهبتهم لامتطاء ثبج أمواجه وفق خطوات منظمة مدروسة بعيدة عن الارتجال والفوضى، وذلك منذ أن لامست أقدامهم مياهه في القرن السابع الميلادي حاملين راية الإسلام(2).‏

وسرعان ما اشتد عود الأسطول العربي الفتي، فهزم بحرية الروم، وانتزع منها سيادة البحر المتوسط الذي زالت عنه صفة (بحر الروم)، وغدا بحيرة عربية إسلامية بالنسبة لهذا البحر مثل سلطان الفاطميين في شمال أفريقية، ثم في مصر والشام فيما بعد، قمة المجد العربي البحري، حيث بدأ عصر سيادة الأساطيل العربية في المتوسط بلا منازع، واستطاعت الدولة الفاطمية الناشئة أن تتبوأ تلك المنزلة السامية في تاريخ البحرية العربية بسبب نشأتها وترعرعها في بيئة بحرية خالصة، شاهدت منذ أقدم العصور أقوى الأساطيل وأشهر أمراء البحار الذين عرفهم التاريخ(3).‏

ومن المعلوم أن الفاطميين قضوا على الأغالبة، وورثوا ملكهم في (رقادة)(4) وصراعهم في الحوض الغربي للبحر المتوسط. كان هذا الصراع قد ازداد حدة وعنفاً بعد فتح المسلمين لصقلية سنة 212هـ/ 827م، فأمست منذ ذلك الحين إحدى القواعد الهامة لانطلاق الجيوش الإسلامية(5). ولما جاء الفاطميون ضاعفوا من ذلك النشاط، ولم يكتفوا بموقف الدفاع وصد الهجمات، بل وقفوا موقف الهجوم، وحاولوا كسب مراكز جديدة لأنهم كانوا يهدفون إلى تكوين امبراطورية قوية ذات قواعد عسكرية برية وبحرية، كي يتمكنوا من أخذ زمام المبادرة وحماية دولتهم من أي خطر مهما كان مصدره، ومن الطبيعي أن تجعلهم هذه السياسة مهتمين بالأسطول البحري وإنشاء الموانئ الهامة كالمهدية(6) وغيرها، وإقامة دور صناعة السفن على اختلاف أحجامها، والبحث عن المواد الأولية كالأخشاب. وبرزت عنايتهم بالجيش البحري من حيث التدريب والعدد والعدة، وأغدقوا الأموال والهبات على رجاله، ومنحوهم الإقطاعات الواسعة بقصد تشجيعهم وبعث روح الحماسة في نفوسهم، وبذلك يكونون طوع إرادة الخليفة، ومتفانين في مهامهم العسكرية.‏

وفي الوقت نفسه اهتم عبد الله المهدي بجزيرة (صقلية)، ودعم سلطانه فيها، ورأى في الاحتفاظ بها سبيلاً لتحقيق أهدافه في إنشاء امبراطورية عظيمة في المتوسط، ففيها كنوز طبيعية مثل الذهب والفضة والنحاس والرصاص، وهي منطقة زراعية خصبة معطاء، تنتج التفاح والبندق والجوز والقسطل. ويتصدر ذلك كله صلاحيتها قاعدة لأسطول كبير. وكل أولئك يدعو إلى الاستقرار والاستفادة مما تتمتع به هذه الجزيرة حيث وجد الفاطميون في حيازتهم شمال أفريقية وصقلية موارد ساعدتهم على بناء أسطول قوي يحقق لهم تنفيذ مشاريعهم البحرية(7).‏

واستهل الأسطول الفاطمي الوليد نشاطه المبكر في حوض البحر المتوسط الغربي بتدعيم ملك الفاطميين بشمال أفريقية وبسط سيطرتهم على ما جاورهم من الجهات الساحلية التي دأب أهلها على الشغب والثورات. وقد واجه الأسطول الفاطمي أثناء تحقيق هذه المهمة أسطول الأندلس ومحاولاته المتكررة للإغارة على ممتلكات الفاطميين(Cool، فإمارة الأمويين بالأندلس أزعجها قيام سلطان الفاطميين على مقربة من ديارهم، وارتابت من أهداف الفاطميين التوسعية. وبلغت شدة خوف الأمويين مبلغاً جعلهم يتحالفون مع الروم والفرنجة ضد الأسطول الفاطمي. فهناك من ذكر أن عبد الرحمن الناصر حسن علاقته مع صاحب بروفانس الذي كان حاقداً على الفاطميين بسبب غزوهم لموانيه كجنوة، كما تحالف مع امبراطور بيزنطة قسطنطين الثامن (349-419هـ/ 961-1028م) الذي كان يأمل في استرجاع صقلية وغيرها من المراكز البحرية التي كانت في أيدي خصومه الفاطميين(9). وإمعاناً في محاربة الفاطميين عمل الناصر على تحسين علاقاته بالإخشيديين في مصر، حتى أنه أرسل بعض مراكبه إلى الاسكندرية بقصد محاربة أسطول الفاطميين. ولما أيقن الإخفاق في ذلك أمر بلعن الخليفة الفاطمي على منابر الأندلس، وكتب بهذا إلى جميع العمال بقصد الحط من قيمة الفاطميين(10).‏

أما مع الروم فقد جرد الفاطميون حملاتهم العسكرية ضد أولئك الأعداء(11) في كل فرصة سانحة طيلة عهدهم في المرحلة المغربية، فهذا عبد الله المهدي يتابع هجماته عليهم سنين عديدة من المهدية أو صقيلية، حيث توجهت حملة بحرية من الميناء الأول بقيادة صابر الفتى، وذلك في سنة 315هـ/ 929م، وعدتها أربعة وأربعون مركباً، مخرت عباب اليم حتى وصلت صقلية(12)، ومنها شنت غاراتها على سواحل الروم ومدنهم، فقتلت الكثير، وغنمت، وعادت إلى قواعدها سالمة(13)، ثم أعاد صابر الكرة في السنة التالية من صقلية أيضاً، فافتتح عدة مواطن رومية، واستولى على ما فيها، وأجبر أصقاعاً أخرى على مصالحته بأموال وديباج وثياب، وعاد بجيشه إلى صقلية مركز انطلاقه(14)، ثم أعاد الكرة سنة 317هـ/931م، فالتقى في البحر بسبعة مراكب للروم، وهو في أربعة، فهزم خصومه، وفتح وسبى سبياً كثيراً، ورجع إلى المهدية(15). وبذلك سن المهدي لمن جاء بعده سنة توجيه الحملات البحرية من المهدية(16) وصقلية ضد الموانئ الرومية. وكان ولاة صقلية يساهمون مساهمة فعالة في هذا المجال نظراً لمركز ولايتهم الاستراتيجي وإمكانات أسطولها البحري. وخير مثال على ذلك الحملة التي قادها يعقوب بن اسحق في آخر حياة عبد الله المهدي، ففتحت جنوة وسردانية(17). وقد قال آدم متز عن اتصال الأسطول الفاطمي بالحوض الغربي للبحر المتوسط منذ عهد عبد الله المهدي وسيطرته على مياهه ما نصه(18): "ولم يكن لأوروبة سلطان على البحر الأبيض المتوسط خلال القرن العاشر الميلادي، فقد كان بحراً عربياً. وكان لا بد لمن يريد أن يقضي لنفسه أمراً أن يخطب ود العرب كما فعلت نابولي وغيته وأمالقي". ويظهر أن الملاحة الأوربية نفسها كانت- في ذلك العصر- على حال يرثى لها من الضعف، ففي سنة 322هـ/ 935م استطاعت مراكب عبد الله المهدي الفاطمي أن تغزو جنوب فرنسة ومدينة جنوة وأن تنهبهما، وأن تفعل مثل هذا بمدينة يبيزا في عامي 351-354هـ فهذا النصر يبين لنا مدى ثقل وطأة الأسطول الفاطمي على أساطيل أوروبة وتحكمه في لجج البحر المتوسط، وأن سلطة الفاطميين في المغرب تمثل قمة المجد البحري الإسلامي في البحر المتوسط وعصر سيادة الأساطيل الإسلامية لهذا البحر(19).‏

وظل الاهتمام بالأسطول متواصلاً وكبيراً في عهد أبي القاسم محمد القائم، بل بلغت قوته شأواً بعيداً، وتفاقم خطره على الأساطيل البيزنطية، حيث ضاعف من غاراته عليها من موانئ المغرب وثغوره، ومن صقلية أيضاً. ولعل قلة الثورات الداخلية في بداية عهده تركت له مجالاً للاهتمام بحرب الروم والعناية بالأسطول أكثر من أبيه. ويقول ابن خلدون بهذا الصدد(20): "وكان أبو القاسم الشيعي وأبناؤه يغزون بأساطيلهم من المهدية جزيرة جنوة فتنقلب بالظفر والغنيمة كما وقع في أيام بني الحسن ملوك صقلية القائمين فيها بدعوة العبيديين، وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي، وأساطيل المسلمين قد ضريت ضراء الأسد على فريسته، وقد ملأت الكثير من بسيط هذا البحر عدة وعدداً، واختلفت في طرقه سلماً وحرباً، فلم تسبح للنصرانية فيه ألواح. حتى إذا أدرك الدولة العبيدية والأموية الفشل والوهن مد النصارى أيديهم إلى جزائر البحر الشرقية مثل صقلية وقريطش ومالطة، فملكوها، ثم ألحوا على سواحل الشام". فهذا النص يبين لنا مدى الدور الخطير الذي شغله الفاطميون في الدفاع عن المغرب الإسلامي والمتمثل في رد غزوات الروم.‏

أما في عهد المعز لدين الله فقد كان للبحرية الفاطمية شأن يذكر في بلاد المغرب ومصر، حيث اتخذ هذا الخليفة من المهدية مرفأ رئيساً ومن سوسة وغيرها من الموانئ أماكن تأوي إليها سفنه، ولا نغلو إذا قلنا: أن المعز لدين الله، بفضل أسطوله القوي، جعل غربي البحر المتوسط بحيرة فاطمية(21)، وذلك نظراً لقلة الاضطرابات الداخلية في عهده، وبفعل سياسة اللين والتفتح التي انتهجها- أحياناً- مع الثائرين. ولذا وجد المجال متسعاً للاهتمام بالأسطول حيث اتخذ من المراسي المختلفة مأوى لقطع هذا الأسطول. وعمل المعز جاهداً على تحصين موانئه، حتى أنه قال(22): "لئن امتد المقام هنا- أي في المنصورية- لنجرين البحر بحول الله وقوته إلينا في خليج حتى تكون مراكبنا تحط وتقلع بحضرتنا". ولا شك أن هذا يدل على مدى عنايته أكثر من أسلافه بالجيش البحري حيث أراد أن يجعل من المنصورية ميناء ثالثاً من حيث الأهمية بعد المهدية وسوسة(23). وقد كثرت في عهده المحارس والثغور مثل سبته ومليلة ووهران وجزائر بني مرغنة وبجاية وجيجل وسكيكدة وبونة ومرسى الخزر وبنزرت وتونس وسوسة والمهدية وصفاقس وقابس وطرابلس وبنغازي، حتى بلغ عددها على ما روي أكثر من عشرة آلاف حصن مبنية بالحجارة والكلس وأبواب الحديد(24).‏

ولا عجب أن وجدنا هذا الأسطول يمثل العامل الأكبر في انتصارات الفاطميين البحرية، ويعود إليه الفضل في تزويد جوهر بالإمدادات أثناء فتحه مصر(25). ونلاحظ تقدماً ملموساً في قوة الأسطول الفاطمي في عهد المعز بما في ذلك القطع البحرية العاملة بالمغرب الأوسط(26). ويمكننا أن نوجز أهم العوامل التي ساعدت على نمو الأسطول وقوته فيما يلي:‏

1-صلاحية الموقع الجغرافي لبلاد المغرب وكثرة موانيه، ووجود أحواض لبناء السفن مثل المهدية وسوسة وبونة (عنابة) ومرسى الخزر، والقالة وبجاية وغيرها، وتوفر المواد اللازمة لبناء السفن كالأخشاب التي تصنع منها ألواح السفن، والحديد الذي يوجد في صقلية وبونة وبجاية والإربس. بالإضافة إلى القطران والحبال(27).‏

2-وراثة الفاطميين لأسطول قوي عن الأغالبة، يعود تاريخ نشأته إلى عهد حسان بن النعمان (75-78هـ/ 965-968م)، حيث عملوا على تنميته وتطويره، ولم يبدؤوا من الصفر في هذا المجال(28).‏

3-وجد الفاطميون بين أهل المغرب إطارات ذات كفاية عالية، عارفة بالملاحة والأمور البحرية، ولها خبرة ودراية في هذا المجال منذ عهد الفينيقيين، فكان هذا أحد العوامل في قوة بحريتهم ونجاحها(29).‏

4-يعتبر مركز صقلية البحري الهام من العوامل التي ساعدت على قوة الأسطول وتحكمه في مياه الحوض الغربي للبحر المتوسط، وقد أصبحت محطة بحرية هامة للمسلمين منذ أن فتحت سنة 212هـ/ 827م على يد أسد بن الفرات(30).‏

5-هذا ويمكن أن نعتبر تأصل فكرة الجهاد عند الفاطميين وتطلعهم إلى التوسع شرقاً وغرباً، وخوفهم من الخطر الخارجي المتمثل في الروم بصفة خاصة من أهم الحوافز التي جعلتهم يعنون أشد العناية بأمور الأسطول حتى تكون لهم قوة بحرية قادرة على تحقيق آمالهم في توسيع رقعة دولتهم ورد الخطر الخارجي المسيحي كما ذكرنا.‏

6-عني المعز بالأسطول أكثر من أسلافه لأنه كان يهدف إلى تكوين قوة بحرية كبيرة يسيطر بها على حوضي البحر المتوسط الغربي والشرقي على السواء، ويقارع بها كلاً من الأمويين والروم في الحوض الأول، والعباسيين في الحوض الثاني. كما كان ينوي أن يتخذ من سواحل مصر والشام جسراً يعبر منه إلى بغداد(31).‏

7-ومما زاد من قوة الأسطول في عهد المعز وراثته لأسطول الإخشيديين. فبعد فتحه مصر وجد بين المصريين جنداً أكفاء في ميدان الملاحة النهرية والبحرية معاً. وبعد فتح مصر والشام حقق ما كان يطمح إليه في هذا المجال حيث امتد نفوذه البحري من سبته غرباً إلى أنطاكية شرقاً، بالإضافة إلى الموانئ المطلة على المحيط الأطلسي. وبذلك بلغ الأسطول في عهده ذروة مجده(32).‏

وإلى هذا الأسطول الفاطمي يرجع فتح مصر في أسرع وقت، فقد كان همزة الوصل بين جيوش جوهر الغازية وبين المعز في المغرب. وفي حراسة هذا الأسطول كانت الإمدادات تصل إلى جوهر في سهولة ويسر. وقد اتخذ المعز في بعض المدن المصرية دوراً لصناعة السفن، فأنشأ في المقص دار صناعة ضخمة، وصفها المسبحي المؤرخ المصري المتوفى سنة 420هـ بقوله(33): "إنه لم يُرَ مثلها فيما تقدم كبراً ووثاقة وحسناً". وقال ابن أبي طي(34): "لم يُرَ مثلها في البحر على ميناء". ويظهر أن المعز لم يهمل دار صناعة الفسطاط التي كانت تسمى "دار صناعة مصر"، كما عني بإقامة دور صناعة السفن في مواني مصر الهامة كالاسكندرية ودمياط(35).‏

ولم يكن بناء السفن في مصر راجعاً إلى خوف المعز من غارات الروم والقرامطة على مصر والشام فحسب، بل كان ذلك راجعاً إلى رغبته في بسط نفوذه على البلاد التي قد يتخذها الأعداء طريقاً يغيرون منه على مصر. بالإضافة إلى ما كان يهدف إليه المعز لدين الله من اتخاذ مصر والشام قنطرة يعبر منها إلى بغداد حاضرة العباسيين في ذلك الحين(36). أضف إلى ذلك أنه حرص على أن تكون لأسطوله السيادة والتفوق على سائر أساطيل البحر المتوسط. ولا غرو فقد دخلت في حوزة المعز لدين الله- بعد أن تم له فتح مصر والشام- البلاد الواقعة على البحر المتوسط من أنطاكية إلى سبته، ووقعت في يده موانئ المغرب الأقصى المطلة على المحيط الأطلسي(37).‏

ومن ثم ملأ المعز كثيراً من موانئ الشام الهامة، مثل صور عكا وعسقلان، بالسفن الكثيرة المختلفة الأنواع وأهمها الشلنديات(38) والشواني(39) الحربية والمسطحات(40) والطرادات(41) والعشاريات(42) والحراقات(43). وقد رأينا موقف أسطول المعز من صور وسواها في حروبه مع الروم، كما رأينا كيف اتخذ جوهر من عكا وعسقلان مستودعات للإمدادات التي كانت تتدفق على جيوش الفاطميين في بلاد الشام، حتى أن قواد المعز اتخذوا منها أماكن يفرون إليها مع جندهم من وجه أعدائهم، ولا سيما القرامطة(44).‏

ولأهمية السواحل الشامية في نظر المعز كان يعين عليها قواداً وولاة، ليكون الاتصال محكماً بين مصر وبلاد الشام، وقد قدرت سفن الأسطول الفاطمي التي بنيت في دور الصناعة المصرية بأكثر من ستمائة قطعة مختلفة الأشكال والأحجام، على حين بلغ عدد السفن في أواخر عهد الدولة الفاطمية مائة قطعة فقط(45).‏

وهكذا استغل المعز لدين الله موقع مصر والشام الاستراتيجي، فكون أسطوله الشرقي الضخم، ولو قدر له البقاء طويلاً لكان هذا الأسطول أكثر ضخامة وأبعد أثراً. وقد وصف المقريزي عناية المعز بالأسطول بهذه العبارة(46): "لما سار الروم إلى البلاد الشامية بعد سنة خمسين وثلاثمائة اشتد أمرهم بأخذهم البلاد، وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله، وأنشأ المراكب الحربية، واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد، واعتناء بالأسطول، وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر واسكندرية ودمياط، من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت في أيام المعز تزيد على ستمائة قطعة".‏

وكان للأسطول أمير يدعى "قائد القواد"، وقد سمي بذلك لأنه يرأس عشرة قواد، كما كان يطلق عليه "أمير الجيش" و"المستوفي"(47). وقد بلغ من عناية المعز ومن جاء بعده من الخلفاء بالأسطول أن الخليفة كان ينفق عليه في غزواته بنفسه، ويساعده وزيره أو يقوم مقامه. ولم يكن بحارة الأسطول في مرتبة واحدة، فهناك جماعة كانت تتقاضى راتباً قدره ديناران، وأخرى تتقاضى ثمانية، وثالثة عشرة دنانير، ورابعة خمسة عشر ديناراً، وخامسة عشرين ديناراً، وسادسة خمسة وعشرين ديناراً. أما أمير الأسطول أو "مُقَدَّمُهُ" فكان من كبار الأمراء والأعيان، وهو أمر لا بد منه على حد قول المقريزي، أن يقوم على الأسطول كبير من الأعيان من أمراء الدولة وأقواهم(48). كما كان الخليفة يقطع رجال الأسطول إقطاعات عرفت باسم "أبواب الغزاة". وكان قائد الأسطول يشرف عليه، ويتناوب القواد العشرة الإشراف العملي، فيأتمر الجميع بأمر القائد الذي تؤول الرياسة إليه(49).‏

ولكي يشجع الخليفة رجال الأسطول أو الغزاة- كما كانوا يسمونهم- كان يترك لهم من الغنائم المال والثياب والمتاع، ولا يستبقي سوى الأسرى والسلاح. وكانت الفسطاط من أهم مراكز الأسطول، وكان الخليفة يشاهد بنفسه حفلة النفقة على الأسطول عند خروجه، ويبارك رجاله، ويدعو لهم بالتوفيق، كما كان يحضر حفلة استقباله عند عودته. وقد بلغ اهتمام الخلفاء الفاطميين بالأسطول أنهم اتخذوا لهم "منظرة"(50) بالمقص، يحتفلون فيها بتوديع الأسطول واستقباله، ويتضح ذلك من هذا الوصف الشيق الذي أورده المقريزي(51): "ويتولى الخليفة بنفسه بحضور الوزير. فإذا أراد النفقة فيما تعين من عدة المراكب السائرة.. فيتقدم إلى النقباء بإحضار الرجال، وفيهم من كان يتعيش بمصر والقاهرة، وفيهم من هو خارج عنهما، فيجتمعون، وكانت لهم المشاهرة والجرايات في مدة أيام سفرهم، وهم معروفون عند عشرين عريفاً يقال لهم النقباء، واحدهم نقيب".‏

وكان رجال الأسطول يشغلون مكانة سامية بين موظفي ديوان الجيش، ولا غرو، فإن صاحب ديوان الجيش، وهو المستوفي، كان أمير الأسطول. وبذلك وضع المعز لدين الله أساس نظام البحرية في مصر(52)، ونهج نهجه من جاء بعده من الخلفاء، إلا أنهم لم يصلوا بالجيش والأسطول إلى ما وصل إليه المعز.‏

وليس أدل على اهتمام المعز بالأسطول من اعتماده على "ديوان الجهاد" أو "ديوان العمائر" كما كانوا يسمونه في تنظيم شؤون الأساطيل، ووقف الأموال الضخمة للإنفاق على الأسطول ورجاله. وكثيراً ما كان المعز يمد هذا الديوان بالعطايا والهبات من بيت المال.‏

وكذلك عني المعز بالأسطول التجاري لينقل السلع المصرية إلى البلدان الأخرى، ويعود محملاً بالسلع من هذه البلدان(53). وقد أصبح للفاطميين أسطولان تجاريان، أحدهما في البحر المتوسط، والآخر في البحر الأحمر، فكانت الاسكندرية ودمياط في مصر، وعسقلان وعكا وصور وصيدا في الشام، من أهم الموانئ الفاطمية(54) في البحر المتوسط، كما كانت عيذاب من أهم مواني البحر الأحمر، وكانت مزودة بأسطول حربي يقوم على حماية الأسطول التجاري والقضاء على اللصوصية في هذا البحر(55).‏

وقد عني الخليفة المعز "بديوان الإقطاع" الذي كان تابعاً "لديوان الجيش"، وكان عمل صاحبه مقصوراً على النظر في الإقطاعات التي اقتطعها رجال الجيش وخاصة الممتلكات الكثيرة التي كانت تابعة للإخشيديين من قبل(56).‏

وصفوة القول: إن المعز لدين الله نهض بالجيش والبحرية نهضة مباركة مشهودة، كان لها أثر بعيد المدى فيما قام به الفاطميون من فتوح وما نالوه من انتصار وظفر. وما كان هذا ليتم إلا باستخدام المقاتلين الطرق العلمية في المجال البحري، وبما تهيأ لهم من عدة وأسلحة، في مقدمتها النفط الخاص بإحراق مراكب العدو. كما استخدموا الكلاليب الحديدية التي ترمى على سفن العدو بقصد إغراقها أو العبور إليها بواسطة الألواح الخشبية والسلالم، كما استخدموا السيوف ومختلف الأسلحة الخفيفة(57)، وقد بلغت قطع الأسطول الفاطمي بالمغرب ما يزيد على ثلاثمئة، كما بلغت في عهد المعز بمصر أكثر من ستمائة قطعة(58). لكن شأن الأسطول أخذ بالضعف والتدهور في آخر عهدهم حيث وصل إلى مائة وعشرين سفينة فقط.‏

ومما تقدم يتجلى لنا أن الفاطميين عنوا عناية كبرى بالأسطول ورجاله في المغرب وبعد رحيلهم إلى مصر، واحتل رجاله مكانة بارزة في ديوان الجيش وبذلك سطر الفاطميون صفحة زاهية مشرقة في التاريخ العربي، وبنوا لنا مجداً تليداً انبعث منه عبق البطولة وأريج الجهاد.‏

***‏

الهوامش:‏

(1)-ماجد عبد المنعم: الأطلس التاريخي للعالم الإسلامي ص 2. Atlas geologique d'Algerie, P.35.‏

(2)-البكري: المغرب ص 37، حسن حسني عبد الوهاب. بساط العقيق ص 49.‏

(3)-ماجد عبد المنعم: ص 2-3 Gautier: le passé de l'Afrique, p.52.‏

(4)-القاضي النعمان: افتتاح الدعوة ص 222، 231. ابن الأثير: الكامل ج8 ص 40-47. المقريزي: اتعاظ 1 ص 86-88.‏

(5)-الإدريسي: المكتبة العربية الصقلية ص 28-31. ابن الأثير: ج7 ص 5-7. موربينو: المسلمون في صقيلية ص 11-12. Gorges M.: l'Architecture musulmane, p.324.‏

(6)-أحمد توفيق المدني: المسلمون في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا، ص 72-73.‏

(7)-البكري: المغرب ص 29. الحميري المعطار ص 172. ياقوت الحموي: المعجم ج5 ص 23.‏

Encyclopédie de l’islam, p.329.‏

(Cool-حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله ص 178.‏

(9)-أرشبالد أويس: القوى البحرية في البحر المتوسط ص 234- 236- 237.‏

(10)-ابن حوقل: صورة الأرض ص 117 وما بعدها. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية ص 20.‏

(11)-ميخائيل أماري: المكتبة العربية الصقلية ص 61. Histoire de l'Afrique du nord, p.412.‏

(12)-ابن عذاري: البيان ج1 ص 192 Grand l’zArousse, p. 512.‏

(13)-نفسه ج1 ص 192 Le passe de l'Afrique du nord, p. 427‏

(14)-نفسه ج1 ص 194.‏

(15)-ياقوت الحموي معجم ج3 ص 209. حسن إبراهيم حسن: عبد الله المهدي ص 202.‏

(16)-آدم متز: الحضارة الإسلامية ج2 ص 426 أرشبالد لويس المرجع نفسه ص 235.‏

(17)-صابر محمد دياب: سياسة الدول الإسلامية في حوض المتوسط ص 99- 100- 101.‏

(18)-نفسه.‏

(19)-المقدمة ص 150-152.‏

(20)-ابن خلدون: المقدمة ص 150-151 Golvin: Le Magreb centrale à l'epoque, p. 249‏

(21)-مختار العبادي: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 77.‏

(22)-النعمان: المجالس ص 592. العبادي: ص 720 l'Architecture musulmane, p.412‏

(23)-حسن إبراهيم حسن: المعز لدين الله ص 185 Histoire de l'Afrique, p.329‏

(24)-البكري: المغرب ص 37- 55- 64- 65- 82- 83- 85. حسن حسني عبد الوهاب: بساط العقيق ص 52.‏

(25)-حسن إبراهيم حسن وآخر ص 185- 186.‏

(26)-البحرية الجزائرية: نشر المكتبة الوطنية الجزائرية، ص 27.‏

(27)-مختار العبادي وآخر: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 71- 72 إلى 76.‏

Le passe de l’Afrique du nord, p. 412.‏

ابن عذاري: البيان ج1 ص 102. حسن حسني عبد الوهاب: بساط العقيق ص 49- 50.‏

عبد الله عنان: مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية ص 126- 127.‏

(28)-العبادي: البحور الإسلامية ص 77- 78.‏

(29)-ابن الأثير الكامل ج6 ص 334- 335. المالكي: رياض النفوس.‏

(30)-مختار العبادي: البحرية الإسلامية ص 68- 70. Grand L'arousse, p.521‏

(31)-ابن عذاري: البيان ج1 ص 180. عبد العزيز سالم: المغرب الكبير ص 614- 615.‏

أرشبالد لويس: ص 235- 236.‏

سرور: سياسة الفاطميين الخارجية ص 221.‏

محمد صابر دياب: سياسة الدول الإسلامية ص 117.‏

(32)-ابن الأثير الكامل ج 7: 31. ابن حماد: تاريخ بني عبيد ص 40. البداية والنهاية ج1 ص 266. حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله ص 83- 84. صابر دياب ص 102.‏

(33)-حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله ص 83-84. صابر دياب: النظم الإسلامية ص 521.‏

(34)-المقريزي: خطط ج2 ص 195.‏

(35)-ابن كثير ج1 ص 266. المقريزي خطط ج1 ص 329- 330.‏

(36)-الطبري ج6 ص 257. النعمان: افتتاح الدعوة ص 32/54- 71. ابن الأثير: الكمال ج 7 ص 147- 161. ابن عذاري: البيان ج1 ص 171- 181. Encyclopédie de l'Islam, pp. 13-19.‏

(37)-مختار العبادي وآخر: المرجع نفسه ص 76-77.‏

(38)-مفردها شلندي، من المراكب المسطحة، وتختص بحمل العتاد والرجال. مختار العبادي وآخر: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ص 35-36. ماجد: نظم الفاطميين ج1 ص 222. إبراهيم حسن: المعز لدين الله ص 186.‏

(39)-مفردها شونة. وهي سفن كبيرة، تشبه البوارج البحرية في يومنا هذا، وبها آلات الهجوم والدفاع. ماجد المرجع نفسه. مختار العبادي وآخر المرجع نفسه ص 136. محمد صابر دياب: سياسة الدول الإسلامية ص 107 Dozy T.I. 717.‏

(40)-نوع من السفن.‏

(41)-واحدها طراد: وهي من السفن الصغيرة القوية السريعة، تحمل الواحدة منها نحو مائة فارس. العبادي وآخر ص 135. حسن إبراهيم حسن وآخر المرجع نفسه ص 186.‏

(42)-من القوارب النهرية التي استخدمها الفاطميون في غزواتهم البحرية واحدها عشيري.‏

(43)-تلي الشواني في الضخامة، وتحمل المنجنيقات وغيرها من معدات الهجوم. مختار العبادي: المرجع نفسه ص 134. حسن إبراهيم حسن وآخر المرجع نفسه ص 187. محمد صابر دياب: نفسه ص 108-109.‏

(44)-المقريزي: خطط ج1 ص 193. سهيل زكار: القرامطة ص 393 وما بعدها.‏

(45)-خطط المقريزي ج2 ص 913. حسن إبراهيم حسن: المعز لدين الله ص 186-187.‏

(46)-خطط ج2، ص 193.‏

(47)-المقريزي خطط ج2 ص 193.‏

(48)-نفسه.‏

(49)-نفسه.‏

(50)-حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله، ص 188. ماجد: الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص 79.‏

(51)-حسن: نظم الفاطميين ص 271.‏

(52)-خطط ج2 ص 193.‏

(53)-تاريخ الدعوة الإسماعيلية ص 184. رابح بونار: المغرب العربي ص 187.‏

(54)-مختار العبادي وآخر: المرجع نفسه ص 141. ماجد المرجع نفسه ج1 ص 227.‏

(55)-صابر محمد دياب: سياسة الدول الإسلامية في حوض البحر المتوسط ص 107-108.‏

(56)-انظر م- أ- م مقال الإخشيد ص 512 Gobrin: Le Magreb, p.570.‏

Gautier. Le passé, p. 412. Dozy suplement aux dixtionnaires Arabes, p.67, leir l’espague, p.332.‏

(57)-مختار العبادي وآخر: المرجع نفسه ص 141. ماجد: نظم الفاطميين ج1 ص 227.‏

(58)-المقريزي: خطط ج2 ص 193. حسن إبراهيم حسن وآخر: المعز لدين الله ص 86-87.‏

تثبيت المصادر والمراجع:‏

1-آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري (جزآن) ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده، طبع لجنة التأليف والترجمة ط3 القاهرة 1377هـ.‏

2-الإدريسي: الشريف الإدريسي المتوفي (548هـ/ 1154م) وصف أفريقية الشمالية والصحراوية تصحيح، هنري بيرس، الجزائر 1376هـ/ 1957م.‏

3-أرشبالد لويس: القوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط (500-1100م) ترجمة أحمد عيسى، نشر مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1960م.‏

4-ابن الأثير: أبو الحسن علي بن الكرم محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني (ت 630هـ).‏

5-الكامل في التاريخ (8 أجزاء) نشر دار الكتاب العربي، بيروت 1387هـ/ 1967م.‏

6-ابن حوقل: أبو القاسم بن حوقل النصيبي (ت 367هـ) كتاب صورة الأرض، بيروت مكتبة الحياة.‏

7-ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد (ت 808هـ) المقدمة والكتاب، نشر دار الكتب اللبناني- بيروت 1967م.‏

8-ابن خلكان: أبو العباس شمس الدين بن محمد بن أبي بكر (681هـ/ 1181م) وفيات الأعيان ج2، 3، 4، دار الثقافة- بيروت.‏

9-ابن سعد: عريب بن سعد القرطبي المتوفي سنة 380- صلة التاريخ الطبري القاهرة، دار الاستقامة 1358هـ/ 1939م.‏

10-ابن سعد المغربي: أبو الحسن علي بن موسى المتوفي (685هـ/ 1286م) كتاب الجغرافيا، تحقيق إسماعيل العربي، بيروت، ط1، نشر المكتب التجاري المغرب في حلي المغرب (جزآن) تحقيق شوقي ضيف (ط2، نشر دار المعارف ط2، القاهرة 1964.‏

11-أبو الفداء: الحافظ بن كثير (ت 774هـ).‏

12-البكري: أبو عبد الله بن العزيز بن محمد مصعب الحافظ (ت 487هـ) المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب، تحقيق دوسلان- بغداد نشر مكتبة المثنى- جغرافية الأندلس وأوروبة، تحقيق عبد الرحمن الحجي- بيروت- طبعة سنة 1388هـ/ 1968م.‏

13-بونار: رابح: المغرب العربي تاريخه وثقافته، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1968م.‏

14-ثابت بن سنان وابن العديم: تاريخ أخبار القرامطة وترجمة الحسن الأعصم، تحقيق سهيل زكار- ادر الأمانة، بيروت سنة 1391هـ/ 1971م.‏

15-الجوذري: أبو علي منصور العزيزي "أواخر القرن 485هـ" سيرة الأستاذ جوذر تحقيق محمد كامل حسن، ومحمد عبد الهادي شعيرة، طبعة الاعتماد، مصر 1945م.‏

16-جوليان: شارل أندريه، تاريخ أفريقية الشمالية، تعريب محمد مزالي، البشير بوسلامة طبع السداد 1969م.‏

17-حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية في المغرب ومصر وسورية وبلاد العرب ط2 مكتبة تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي (3 أجزاء) ط6 مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1962م. عبيد الله المهدي إمام الشيعة الإسماعيلية ومؤسس الدولة الفاطمية في المغرب وسورية وبلاد العرب (بالاشتراك مع الدكتور طه أحمد شرف) مكتبة النهضة القاهرة 1366هـ/ 1947م.‏

18-حسن علي إبراهيم: تاريخ جوهر الصقلي، قائد المعز لدين الله الفاطمي، مكتبة النهضة المصرية ط2، القاهرة عام 1963م.‏

19-الحموي: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الروي البغدادي المتوفي (626هـ/ 1228م) معجم البلدان (5 أجزاء) بيروت 1955م.‏

20-الدباغ: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الأنصاري (ت ؟) كتاب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (4 أجزاء) المطبعة العربية بتونس 1321.‏

21-دياب: صابر محمد: سياسة الدول الإسلامية في حوض البحر المتوسط في أوائل القرن الثاني الهجري، حتى نهاية العصر الفاطمي، نشر عالم الكتب ط1 القاهرة 1973م.‏

22-سرور: محمد جمال الدين: سياسة الفاطميين الخارجية، دار الفكر العربي، القاهرة 1386هـ/ 1967م.‏

23-سالم: السيد عبد العزيز: المغرب الكبير (العصر الإسلامي) طبع الدار القومية القاهرة 1966م.‏

24-ماجد: عبد المنعم: تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى- القاهرة، نشر مكتبة الانجلو المصرية 1963م.‏

25-ماجد: عبد المنعم: علي البنا: الأطلس التاريخي للعالم الإسلامي في العصور الوسطى- القاهرة ط2- دار الفكر عام 1967م.‏

***‏

Dozy, R.‏

1-Supplement aux dixtionnaires Arabes Paris 1967.‏

2-Gaulhier E.F.‏

Le passé de l’Afrique du nord petite Bibliothèque, Paris 1952.‏

3-Golvin L.‏

Le Maghreb central à l’eppoque des Zirides Mitiers graphiques, Paris 1957.‏

4-Julien ch. André‏

Histoire de l’Afrique du nord. Payot, Paris 1931.‏

5-Marcais Gorges‏

L’architecture Muslmane d’occident: Tunis- Algerie Maroc Espagne et sicile, Paris 1954.‏

6-Provencal Levi.‏

L’espagne musulmane aux Xeme sicile institution et vie social larosde, Paris 1932.‏

7-Atlas géologique de l’algerie Redigé Par Stephon- Gazelle Adolph jourdon imprimeur libraire Educateur Alger 1911.‏

8-Grand larousse Paris 1960-1961- 1963.‏

9-Encyclopédie de l’Islam, Paris 1913-1934-1954



مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 25 و 26 - السنة السابعة - تشرين الأول وكانون الثاني "اكتوبر ويناير" 1986 و 1987 - صفر وجمادى الأولى 1407
الأسطول الفاطمي ـــ التواني بوبكر

تمتع البحر المتوسط منذ أقدم العصور إلى الوقت الحاضر بموقع جغرافي فريد من نوعه، جعله مطمع كل قوة تبغي لنفسها الازدهار والسلطان في هذا المجال البحري، وعلى الرغم من هذا لم تستطع أية قوة أجنبية أن تنال الخلود الذي تمتع به العرب باستقرارهم على شواطئ هذا البحر.‏

فكم من حضارة قامت على جوانب هذا الحوض المائي الهام، وازدهرت، وبلغت ذروتها.. ثم أتى عليها الزمن، فاندرست واندثرت، وأصبحت أثراً بعد عين! وكانت الحضارة العربية نغماً فريداً خالداً بين أترابها، وما زالت أقدام بني يعرب راسخة ممتدة الجذور إلى يومنا هذا في رقعة شاسعة تضم شواطئ الشام ومصر وأفريقية، بما يعادل نصف شواطئ المتوسط(1). ويعزى سر هذا الخلود إلى أن العرب اتخذوا أهبتهم لامتطاء ثبج أمواجه وفق خطوات منظمة مدروسة بعيدة عن الارتجال والفوضى، وذلك منذ أن لامست أقدامهم مياهه في القرن السابع الميلادي حاملين راية الإسلام(2).‏

وسرعان ما اشتد عود الأسطول العربي الفتي، فهزم بحرية الروم، وانتزع منها سيادة البحر المتوسط الذي زالت عنه صفة (بحر الروم)، وغدا بحيرة عربية إسلامية بالنسبة لهذا البحر مثل سلطان الفاطميين في شمال أفريقية، ثم في مصر والشام فيما بعد، قمة المجد العربي البحري، حيث بدأ عصر سيادة الأساطيل العربية في المتوسط بلا منازع، واستطاعت الدولة الفاطمية الناشئة أن تتبوأ تلك المنزلة السامية في تاريخ البحرية العربية بسبب نشأتها وترعرعها في بيئة بحرية خالصة، شاهدت منذ أقدم العصور أقوى الأساطيل وأشهر أمراء البحار الذين عرفهم التاريخ(3).‏

ومن المعلوم أن الفاطميين قضوا على الأغالبة، وورثوا ملكهم في (رقادة)(4) وصراعهم في الحوض الغربي للبحر المتوسط. كان هذا الصراع قد ازداد حدة وعنفاً بعد فتح المسلمين لصقلية سنة 212هـ/ 827م، فأمست منذ ذلك الحين إحدى القواعد الهامة لانطلاق الجيوش الإسلامية(5). ولما جاء الفاطميون ضاعفوا من ذلك النشاط، ولم يكتفوا بموقف الدفاع وصد الهجمات، بل وقفوا موقف الهجوم، وحاولوا كسب مراكز جديدة لأنهم كانوا يهدفون إلى تكوين امبراطورية قوية ذات قواعد عسكرية برية وبحرية، كي يتمكنوا من أخذ زمام المبادرة وحماية دولتهم من أي خطر مهما كان مصدره، ومن الطبيعي أن تجعلهم هذه السياسة مهتمين بالأسطول البحري وإنشاء الموانئ الهامة كالمهدية(6) وغيرها، وإقامة دور صناعة السفن على اختلاف أحجامها، والبحث عن المواد الأولية كالأخشاب. وبرزت عنايتهم بالجيش البحري من حيث التدريب والعدد والعدة، وأغدقوا الأموال والهبات على رجاله، ومنحوهم الإقطاعات الواسعة بقصد تشجيعهم وبعث روح الحماسة في نفوسهم، وبذلك يكونون طوع إرادة الخليفة، ومتفانين في مهامهم العسكرية.‏

وفي الوقت نفسه اهتم عبد الله المهدي بجزيرة (صقلية)، ودعم سلطانه فيها، ورأى في الاحتفاظ بها سبيلاً لتحقيق أهدافه في إنشاء امبراطورية عظيمة في المتوسط، ففيها كنوز طبيعية مثل الذهب والفضة والنحاس والرصاص، وهي منطقة زراعية خصبة معطاء، تنتج التفاح والبندق والجوز والقسطل. ويتصدر ذلك كله صلاحيتها قاعدة لأسطول كبير. وكل أولئك يدعو إلى الاستقرار والاستفادة مما تتمتع به هذه الجزيرة حيث وجد الفاطميون في حيازتهم شمال أفريقية وصقلية موارد ساعدتهم على بناء أسطول قوي يحقق لهم تنفيذ مشاريعهم البحرية(7).‏

واستهل الأسطول الفاطمي الوليد نشاطه المبكر في حوض البحر المتوسط الغربي بتدعيم ملك الفاطميين بشمال أفريقية وبسط سيطرتهم على ما جاورهم من الجهات الساحلية التي دأب أهلها على الشغب والثورات. وقد واجه الأسطول الفاطمي أثناء تحقيق هذه المهمة أسطول الأندلس ومحاولاته المتكررة للإغارة على ممتلكات الفاطميين(Cool، فإمارة الأمويين بالأندلس أزعجها قيام سلطان الفاطميين على مقربة من ديارهم، وارتابت من أهداف الفاطميين التوسعية. وبلغت شدة خوف الأمويين مبلغاً جعلهم يتحالفون مع الروم والفرنجة ضد الأسطول الفاطمي. فهناك من ذكر أن عبد الرحمن الناصر حسن علاقته مع صاحب بروفانس الذي كان حاقداً على الفاطميين بسبب غزوهم لموانيه كجنوة، كما تحالف مع امبراطور بيزنطة قسطنطين الثامن (349-419هـ/ 961-1028م) الذي كان يأمل في استرجاع صقلية وغيرها من المراكز البحرية التي كانت في أيدي خصومه الفاطميين(9). وإمعاناً في محاربة الفاطميين عمل الناصر على تحسين علاقاته بالإخشيديين في مصر، حتى أنه أرسل بعض مراكبه إلى الاسكندرية بقصد محاربة أسطول الفاطميين. ولما أيقن الإخفاق في ذلك أمر بلعن الخليفة الفاطمي على منابر الأندلس، وكتب بهذا إلى جميع العمال بقصد الحط من قيمة الفاطميين(10).‏

أما مع الروم فقد جرد الفاطميون حملاتهم العسكرية ضد أولئك الأعداء(11) في كل فرصة سانحة طيلة عهدهم في المرحلة المغربية، فهذا عبد الله المهدي يتابع هجماته عليهم سنين عديدة من المهدية أو صقيلية، حيث توجهت حملة بحرية من الميناء الأول بقيادة صابر الفتى، وذلك في سنة 315هـ/ 929م، وعدتها أربعة وأربعون مركباً، مخرت عباب اليم حتى وصلت صقلية(12)، ومنها شنت غاراتها على سواحل الروم ومدنهم، فقتلت الكثير، وغنمت، وعادت إلى قواعدها سالمة(13)، ثم أعاد صابر الكرة في السنة التالية من صقلية أيضاً، فافتتح عدة مواطن رومية، واستولى على ما فيها، وأجبر أصقاعاً أخرى على مصالحته بأموال وديباج وثياب، وعاد بجيشه إلى صقلية مركز انطلاقه(14)، ثم أعاد الكرة سنة 317هـ/931م، فالتقى في البحر بسبعة مراكب للروم، وهو في أربعة، فهزم خصومه، وفتح وسبى سبياً كثيراً، ورجع إلى المهدية(15). وبذلك سن المهدي لمن جاء بعده سنة توجيه الحملات البحرية من المهدية(16) وصقلية ضد الموانئ الرومية. وكان ولاة صقلية يساهمون مساهمة فعالة في هذا المجال نظراً لمركز ولايتهم الاستراتيجي وإمكانات أسطولها البحري. وخير مثال على ذلك الحملة التي قادها يعقوب بن اسحق في آخر حياة عبد الله المهدي، ففتحت جنوة وسردانية(17). وقد قال آدم متز عن اتصال الأسطول الفاطمي بالحوض الغربي للبحر المتوسط منذ عهد عبد الله المهدي وسيطرته على مياهه ما نصه(18): "ولم يكن لأوروبة سلطان على البحر الأبيض المتوسط خلال القرن العاشر الميلادي، فقد كان بحراً عربياً. وكان لا بد لمن يريد أن يقضي لنفسه أمراً أن يخطب ود العرب كما فعلت نابولي وغيته وأمالقي". ويظهر أن الملاحة الأوربية نفسها كانت- في ذلك العصر- على حال يرثى لها من الضعف، ففي سنة 322هـ/ 935م استطاعت مراكب عبد الله المهدي الفاطمي أن تغزو جنوب فرنسة ومدينة جنوة وأن تنهبهما، وأن تفعل مثل هذا بمدينة يبيزا في عامي 351-354هـ فهذا النصر يبين لنا مدى ثقل وطأة الأسطول الفاطمي على أساطيل أوروبة وتحكمه في لجج البحر المتوسط، وأن سلطة الفاطميين في المغرب تمثل قمة المجد البحري الإسلامي في البحر المتوسط وعصر سيادة الأساطيل الإسلامية لهذا البحر(19).‏

وظل الاهتمام بالأسطول متواصلاً وكبيراً في عهد أبي القاسم محمد القائم، بل بلغت قوته شأواً بعيداً، وتفاقم خطره على الأساطيل البيزنطية، حيث ضاعف من غاراته عليها من موانئ المغرب وثغوره، ومن صقلية أيضاً. ولعل قلة الثورات الداخلية في بداية عهده تركت له مجالاً للاهتمام بحرب الروم والعناية بالأسطول أكثر من أبيه. ويقول ابن خلدون بهذا الصدد(20): "وكان أبو القاسم الشيعي وأبناؤه يغزون بأساطيلهم من المهدية جزيرة جنوة فتنقلب بالظفر والغنيمة كما وقع في أيام بني الحسن ملوك صقلية القائمين فيها بدعوة العبيديين، وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي، وأساطيل المسلمين قد ضريت ضراء الأسد على فريسته، وقد ملأت الكثير من بسيط هذا البحر عدة وعدداً، واختلفت في طرقه سلماً وحرباً، فلم تسبح للنصرانية فيه ألواح. حتى إذا أدرك الدولة العبيدية والأموية الفشل والوهن مد النصارى أيديهم إلى جزائر البحر الشرقية مثل صقلية وقريطش ومالطة، فملكوها، ثم ألحوا على سواحل الشام". فهذا النص يبين لنا مدى الدور الخطير الذي شغله الفاطميون في الدفاع عن المغرب الإسلامي والمتمثل في رد غزوات الروم.‏

أما في عهد المعز لدين الله فقد كان للبحرية الفاطمية شأن يذكر في بلاد المغرب ومصر، حيث اتخذ هذا الخليفة من المهدية مرفأ رئيساً ومن سوسة وغيرها من الموانئ أماكن تأوي إليها سفنه، ولا نغلو إذا قلنا: أن المعز لدين الله، بفضل أسطوله القوي، جعل غربي البحر المتوسط بحيرة فاطمية(21)، وذلك نظراً لقلة الاضطرابات الداخلية في عهده، وبفعل سياسة اللين والتفتح التي انتهجها- أحياناً- مع الثائرين. ولذا وجد المجال متسعاً للاهتمام بالأسطول حيث اتخذ من المراسي المختلفة مأوى لقطع هذا الأسطول. وعمل المعز جاهداً على تحصين موانئه، حتى أنه قال(22): "لئن امتد المقام هنا- أي في المنصورية- لنجرين البحر بحول الله وقوته إلينا في خليج حتى تكون مراكبنا تحط وتقلع بحضرتنا". ولا شك أن هذا يدل على مدى عنايته أكثر من أسلافه بالجيش البحري حيث أراد أن يجعل من المنصورية ميناء ثالثاً من حيث الأهمية بعد المهدية وسوسة(23). وقد كثرت في عهده المحارس والثغور مثل سبته ومليلة ووهران وجزائر بني مرغنة وبجاية وجيجل وسكيكدة وبونة ومرسى الخزر وبنزرت وتونس وسوسة والمهدية وصفاقس وقابس وطرابلس وبنغازي، حتى بلغ عددها على ما روي أكثر من عشرة آلاف حصن مبنية بالحجارة والكلس وأبواب الحديد(24).‏

ولا عجب أن وجدنا هذا الأسطول يمثل العامل الأكبر في انتصارات الفاطميين البحرية، ويعود إليه الفضل في تزويد جوهر بالإمدادات أثناء فتحه مصر(25). ونلاحظ تقدماً ملموساً في قوة الأسطول الفاطمي في عهد المعز بما في ذلك القطع البحرية العاملة بالمغرب الأوسط(26). ويمكننا أن نوجز أهم العوامل التي ساعدت على نمو الأسطول وقوته فيما يلي:‏

1-صلاحية الموقع الجغرافي لبلاد المغرب وكثرة موانيه، ووجود أحواض لبناء السفن مثل المهدية وسوسة وبونة (عنابة) ومرسى الخزر، والقالة وبجاية وغيرها، وتوفر المواد اللازمة لبناء السفن كالأخشاب التي تصنع منها ألواح السفن، والحديد الذي يوجد في صقلية وبونة وبجاية والإربس. بالإضافة إلى القطران والحبال(27).‏

2-وراثة الفاطميين لأسطول قوي عن الأغالبة، يعود تاريخ نشأته إلى عهد حسان بن النعمان (75-78هـ/ 965-968م)، حيث عملوا على تنميته وتطويره، ولم يبدؤوا من الصفر في هذا المجال(28).‏

3-وجد الفاطميون بين أهل المغرب إطارات ذات كفاية عالية، عارفة بالملاحة والأمور البحرية، ولها خبرة ودراية في هذا المجال منذ عهد الفينيقيين، فكان هذا أحد العوامل في قوة بحريتهم ونجاحها(29).‏

4-يعتبر مركز صقلية البحري الهام من العوامل التي ساعدت على قوة الأسطول وتحكمه في مياه الحوض الغربي للبحر المتوسط، وقد أصبحت محطة بحرية هامة للمسلمين منذ أن فتحت سنة 212هـ/ 827م على يد أسد بن الفرات(30).‏

5-هذا ويمكن أن نعتبر تأصل فكرة الجهاد عند الفاطميين وتطلعهم إلى التوسع شرقاً وغرباً، وخوفهم من الخطر الخارجي المتمثل في الروم بصفة خاصة من أهم الحوافز التي جعلتهم يعنون أشد العناية بأمور الأسطول حتى تكون لهم قوة بحرية قادرة على تحقيق آمالهم في توسيع رقعة دولتهم ورد الخطر الخارجي المسيحي كما ذكرنا.‏

6-عني المعز بالأسطول أكثر من أسلافه لأنه كان يهدف إلى تكوين قوة بحرية كبيرة يسيطر بها على حوضي البحر المتوسط الغربي والشرقي على السواء، ويقارع بها كلاً من الأمويين والروم في الحوض الأول، والعباسيين في الحوض الثاني. كما كان ينوي أن يتخذ من سواحل مصر والشام جسراً يعبر منه إلى بغداد(31).‏

7-ومما زاد من قوة الأسطول في عهد المعز وراثته لأسطول الإخشيديين. فبعد فتحه مصر وجد بين المصريين جنداً أكفاء في ميدان الملاحة النهرية والبحرية معاً. وبعد فتح مصر والشام حقق ما كان يطمح إليه في هذا المجال حيث امتد نفوذه البحري من سبته غرباً إلى أنطاكية شرقاً، بالإضافة إلى الموانئ المطلة على المحيط الأطلسي. وبذلك بلغ الأسطول في عهده ذروة مجده(32).‏

وإلى هذا الأسطول الفاطمي يرجع فتح مصر في أسرع وقت، فقد كان همزة الوصل بين جيوش جوهر الغازية وبين المعز في المغرب. وفي حراسة هذا الأسطول كانت الإمدادات تصل إلى جوهر في سهولة ويسر. وقد اتخذ المعز في بعض المدن المصرية دوراً لصناعة السفن، فأنشأ في المقص دار صناعة ضخمة، وصفها المسبحي المؤرخ المصري المتوفى سنة 420هـ بقوله(33): "إنه لم يُرَ مثلها فيما تقدم كبراً ووثاقة وحسناً". وقال ابن أبي طي(34): "لم يُرَ مثلها في البحر على ميناء". ويظهر أن المعز لم يهمل دار صناعة الفسطاط التي كانت تسمى "دار صناعة مصر"، كما عني بإقامة دور صناعة السفن في مواني مصر الهامة كالاسكندرية ودمياط(35).‏

ولم يكن بناء السفن في مصر راجعاً إلى خوف المعز من غارات الروم والقرامطة على مصر والشام فحسب، بل كان ذلك راجعاً إلى رغبته في بسط نفوذه على البلاد التي قد يتخذها الأعداء طريقاً يغيرون منه على مصر. بالإضافة إلى ما كان يهدف إليه المعز لدين الله من اتخاذ مصر والشام قنطرة يعبر منها إلى بغداد حاضرة العباسيين في ذلك الحين(36). أضف إلى ذلك أنه حرص على أن تكون لأسطوله السيادة والتفوق على سائر أساطيل البحر المتوسط. ولا غرو فقد دخلت في حوزة المعز لدين الله- بعد أن تم له فتح مصر والشام- البلاد الواقعة على البحر المتوسط من أنطاكية إلى سبته، ووقعت في يده موانئ المغرب الأقصى المطلة على المحيط الأطلسي(37).‏

ومن ثم ملأ المعز كثيراً من موانئ الشام الهامة، مثل صور عكا وعسقلان، بالسفن الكثيرة المختلفة الأنواع وأهمها الشلنديات(38) والشواني(39) الحربية والمسطحات(40) والطرادات(41) والعشاريات(42) والحراقات(43). وقد رأينا موقف أسطول المعز من صور وسواها في حروبه مع الروم، كما رأينا كيف اتخذ جوهر من عكا وعسقلان مستودعات للإمدادات التي كانت تتدفق على جيوش الفاطميين في بلاد الشام، حتى أن قواد المعز اتخذوا منها أماكن يفرون إليها مع جندهم من وجه أعدائهم، ولا سيما القرامطة(44).‏

ولأهمية السواحل الشامية في نظر المعز كان يعين عليها قواداً وولاة، ليكون الاتصال محكماً بين مصر وبلاد الشام، وقد قدرت سفن الأسطول الفاطمي التي بنيت في دور الصناعة المصرية بأكثر من ستمائة قطعة مختلفة الأشكال والأحجام، على حين بلغ عدد السفن في أواخر عهد الدولة الفاطمية مائة قطعة فقط(45).‏

وهكذا استغل المعز لدين الله موقع مصر والشام الاستراتيجي، فكون أسطوله الشرقي الضخم، ولو قدر له البقاء طويلاً لكان هذا الأسطول أكثر ضخامة وأبعد أثراً. وقد وصف المقريزي عناية المعز بالأسطول بهذه العبارة(46): "لما سار الروم إلى البلاد الشامية بعد سنة خمسين وثلاثمائة اشتد أمرهم بأخذهم البلاد، وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله، وأنشأ المراكب الحربية، واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد، واعتناء بالأسطول، وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر واسكندرية ودمياط، من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت في أيام المعز تزيد على ستمائة قطعة".‏

وكان للأسطول أمير يدعى "قائد القواد"، وقد سمي بذلك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

الأسطول الفاطمي ـــ التواني بوبكر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 



صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الجزائريين والعرب :: **المنتدى العام**
 :: الركن الإسلامي :: منوعات إسلامية
-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع