الرئيسيةالمنشوراتس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 واقع المغرب الأوسط من خلال رحلة ابن خلدون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سامية سعيد
عضو قيد النشاط
عضو   قيد النشاط


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 27
تاريخ الميلاد : 15/02/1990
العمر : 27

مُساهمةموضوع: واقع المغرب الأوسط من خلال رحلة ابن خلدون   22.11.12 19:57

واقع المغرب الأوسط من خلال رحلة ابن خلدون





تمهيد

إن الرحلات من الفنون الأدبية المألوفة, وهي مما تزخر به كتب الأدب
الجغرافي والتاريخي, وتقدم لنا معلومات ذات قيمة في بابها. وقد عرفت بلاد
المغرب الإسلامي هذا الفن منذ القديم, إذ كان لأبنائها غرام خاص بالسياحة,
وولوع بالتجول في طول الأرض وعرضها, شأنهم في ذلك شأن العرب إبان نهضتهم
الكبرى, وشأن الغربيين في نهضتهم الحديثة.
وقد أنتج المغرب الإسلامي
العديد من مؤلفي الرحلات, ونبغ به الكثير من الرحالين الذين أثبتوا
مشاهداتهم وتأثراتهم في تصانيف قيمة, ذلك أن المغاربة كانوا يشعرون بدافع
شديد ينزع بهم إلى كتابة ذكرياتهم, وتسجيل ما يختلج بأنفسهم عن رحلاتهم
التي كانت تقودهم إلى داخل البلاد نفسها, وإلى الشرق بقصد طلب العلم وأداء
فريضة الحج. ولم يكن الدافع دوما هو الرحلة للعلم والحج فقط, بل كما كانوا
يرحلون لهذين, كانوا يسيحون للتجارة, ومنهم من كان يرحل للبحث والاكتشاف أو
للسفارة, ومنهم ملوك رحلوا بدافع الغزو والجهاد, أو التفقد والتعهد, إلى
مختلف الأصقاع.
ومن أصحاب الرحلات الذين أنتجتهم بيئة المغرب الإسلامي
خلال القرن 8هـ/14م أو قريبا منه, وهو عصر الدراسة, نذكر الرحالة أبا عبد
الله محمد بن محمد العبدري الحيحي صاحب الرحلة العبدرية( ). والرحالة محمد
بن عمر الفهري المعروف بابن رشيد السبتي مؤلف رحلة "ملء العيبة بما جمع في
طول الغيبة, في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين الشريفين, مكة وطيبة"( ).
والرحالة القاسم بن يوسف بن محمد السبتي التجيبي الذي تحمل رحلته اسم
"مستفاد الرحلة والاغتراب"( ). ورحلة التجاني لصاحبها محمد بن أحمد
التجاني( ). وإلى هذا الجيل من الرحالة ينتمي العلامة ابن خلدون الذي ساهم,
إلى جانب كتابه الضخم ديوان العبر ومقدمته المشهورة, في موضوع الرحلات,
فوضع كتابا على النحو التالي:"التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا"( ).
إن
هذا الكتاب في الحقيقة لا يمثل مصنفا جغرافيا من نمط الرحلة المعتاد
والمعروف لنا جيدا كما عهدناه عند هؤلاء الرحالة الذين سقنا نماذج منهم
آنفا, بل هو ترجمة لسيرة حياة صاحبه بقلمه بكل ما يحمل هذا اللفظ من معنى.
وفيها يعرض أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون(732-808هـ/1332-1406م)
لجميع تنقلاته والحوادث التي مرت به منذ نشأته حتى قبيل وفاته بشهور, دون
أن يحاول إظهار شخصيته في ضوء ملائم لها, "مما يشهد له حقا بالأمانة وشرف
الضمير"( ). وقد اهتم بوصف نشاطه السياسي والاجتماعي وأرخ لسلوكه الخارجي
أكثر من اهتمامه بتطوره الفكري خصوصا فيما يتعلق بإعراضه وانصرافه عن النظر
في العقليات.
وفي كتاب التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا تناول
صاحبه الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية لبلاد المغرب الإسلامي إبان
القرن 8هـ/14م, وهي الأوضاع التي كان ابن خلدون نفسه شاهدا عليها وطرفا
فاعلا فيها. والتزاما بالعنوان المحدد لهذه الورقة العلمية فإنني سوف اقتصر
على بلاد المغرب الأوسط وما يتعلق بها في رحلة ابن خلدون.

أوضاع المغرب الأوسط السياسية

إن الحديث عن المغرب الأوسط لا يعني فصله عن مجموع بلاد المغرب
الإسلامي, بل هو جزء لا يتجزأ منها, وعليه فإن تناول أوضاع هذا الإقليم
إنما يتم في إطار الأوضاع الشاملة لبلاد المغرب, وهو ما فعله المؤلف نفسه
حين عالج ذلك سواء في الرحلة أو في مصنفه التاريخي كتاب العبر.
لقد كان
كل شيء خلال عصر الدراسة, ونعني بذلك القرن 8هـ/14م, ينبئ بأن نجم الحضارة
الإسلامية آخذ في الأفول, مصداق ذلك التقهقر الذي أصاب العالم الإسلامي
مشرقا ومغربا والكوارث العديدة التي حلت به, ومنها هجمات التتار شرقا,
وتقلص حكم المسلمين في الأندلس غربا, وضعف الأسر الحاكمة وتنافسها,
والطاعون الجارف الذي خلف الدمار والخراب, وانتشار التفكير الخرافي, الأمر
الذي أدى إلى اضطراب الأوضاع وانتشار الفوضى, وهو ما عبر عنه صاحب المقدمة
وأجمله في النص التالي:
"وأما لهذا العهد, وهو آخر المائة الثامنة, فقد
انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه, وتبدلت بالجملة, واعتاض عن أجيال
البربر أهله على القدم بمن طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب
بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامة الأوطان, وشاركوهم في ما بقي من
البلدان لملكهم. هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة
الثامنة من الطاعون الجارف, الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من
محاسن العمران ومحاها, وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها,
فقلص من ظلالها وفلّ من حدّها, وأوهن من سلطانها, وتداعت إلى التلاشي
والاضمحلال أحوالها, وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر, فخربت الأمصار
والمصانع, ودرست السبل والمعالم, وخلت الديار والمنازل, وضعفت الدول
والقبائل, وتبدل الساكن, وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب, لكن
على نسبته ومقدار عمرانه. وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول
والانقباض فبادر بالإجابة"( ). هكذا يقدم لنا ابن خلدون صورة بليغة وقاتمة
لأهم المعالم العامة التي عرفها هذا القرن.
وإذا حاولنا تفصيل القول في
ذلك قليلا, فإن حالة الغرب الإسلامي في هذا القرن قد شهدت تفككا سياسيا,
حيث تقلص ظل الإسلام في الأندلس وانحسر حطامها المتهاوي في مملكة غرناطة
التي كانت تحاول المحافظة على كيانها المتداعي أمام ضربات الأسبان. أما
العدوة المغربية وهي المنطقة التي عاش فيها ابن خلدون طالب علم ورجل سياسة,
فإن العلاقة بين حكام بني مرين في المغرب الأقصى, وأمراء بني عبد الواد في
المغرب الأوسط, وسلاطين بني حفص في افريقية, كانت متوترة ومضطربة, وكل
واحدة من هذه الدول كانت عدوة لجارتها المباشرة, حليفة للتي بعدها, مما
جعلها تعيش في حروب لا تقف ولا تهدأ, وفي حالة من الفوضى وعدم الاستقرار
وما نجم عن ذلك من تدهور.
ومن مظاهر ذلك الصراع الذي كان قائما بين تلك
الدول, الغزو المريني للمغرب الأوسط في منتصف القرن 8هـ/14م. فقد جاء في
الرحلة أن السلطان المريني أبا عنان فارس لما تقلد العرش بعد خلع وموت
والده أبي الحسن سنة 752هـ/1351م, اعتزم إعادة الملحمة التي حققها أسلافه
من قبل والمتمثلة في توحيد كامل بلاد المغرب الإسلامي. فانطلقت الحملة
العسكرية من فاس في فاتح سنة 753هـ/1352م, ولم تستطع جيوش بني عبد الواد
التصدي لها, فتمكن أبو عنان من دخول العاصمة تلمسان منتصرا وقتل سلطانها
أبا سعيد عثمان وفر أخوه أبو ثابت الزعيم إلى قاصية الشرق, وكان ذلك في شهر
ربيع من السنة المذكورة.
ثم واصلت الحملة سيرها فانتهى أبو عنان
المريني إلى المدية وهناك أقبل عليه صاحب بجاية الأمير أبو عبد الله محمد
ابن الأمير أبي زكرياء الحفصي, وهنأه بانتصاراته وسلم له المدينة دون
مقاومة تذكر. ففرغ بذلك السلطان المريني من شأن المغرب الأوسط وبث العمال
في نواحيه, وقضى حاجاته منه, وثقف أطرافه, ثم انكفأ راجعا إلى تلمسان لشهود
عيد الفطر بها, ودخلها في آخر رمضان سنة 753هـ يقتاد معه الأمير الزياني
أبا ثابت الزعيم ووزيره يحي بن داود فسيقا إلى مصارعهما وقتلا قعصا
بالرماح( ).
كان أبو عنان قبل عودته إلى تلمسان قد عين عمر بن علي
الوطاسي المنحدر من أسرة مغربية, واليا على بجاية, ولكن أهالي المدينة
رفضوا الهيمنة المرينية, فقامت اضطرابات دامية, وتناحر أنصار الحفصيين
والمرينيين, وذهب ضحية هذا الصراع والي المدينة نفسه عمر الوطاسي, وكان ذلك
في أواخر سنة 753هـ. وفي أوائل السنة الموالية أوفد السلطان أبو عنان
واليا جديدا إلى بجاية لإعادة الأمن إلى نصابه, يتعلق الأمر بحاجبه محمد بن
أبي عمرو التميمي الذي أرسله على رأس قوة عسكرية تتألف من خمسة آلاف فارس.
ولنترك ابن خلدون ذاته يسوق لنا تلك الأحداث التي عايشها بنفسه وهو لا
يزال شابا لم يطرّ شاربه, إذ يقول:
"فأخرج السلطان أبو عنان لوقته حاجبه
محمد بن أبي عمرو إلى بجاية, وأكثف له الجند, وصرف معه وجوه دولته وأعيان
بطانته. وارتحلت أنا من بسكرة, وافدا على السلطان أبي عنان بتلمسان, فلقيت
ابن أبي عمرو بالبطحاء, وتلقاني من الكرامة بما لم أحتسبه, وردّني معه إلى
بجاية, فشهدت الفتح. وتسايلت وفود أفريقية إليه, فلما رجع السلطان وفدت
معهم, فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه, إذ كنت شابا لم يطرّ شاربي.
ثم انصرفت مع الوفود, ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية, فأقمت عنده حتى انصرم
الشتاء من أواخر 754هـ. وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس وجمع أهل العلم
للتحليق بمجلسه, فقدمت عليه سنة 755هـ ونظمني في أهل مجلسه العلمي"( ).
ولم
تكن مدينة فاس يومئذ مدينة علم فحسب حيث أكمل ابن خلدون دراسته وتحصيله
العلمي على يد حاشية السلطان من رجال العلم, بل كانت عاصمة سياسية أيضا تضم
رجال السياسة من مختلف أقطار الغرب الإسلامي, وكان منهم الحر الطليق,
واللاجئ المستجير, والمحجوز والسجين. وكان على رأس هؤلاء الذين تعرف عليهم
ابن خلدون من رجال السياسة, أمير بجاية أبو عبد الله محمد بن أبي زكرياء
الحفصي السابق الذكر. وقد اتفق معه على أن يساعده على الفرار إلى بجاية
مقابل أن يسند إليه خطة الحجابة عندما تنجح الخطة ويسترجع إمارته. ولكن
السلطان المريني علم بذلك فأطلق سراح الأمير محمد وسجن ابن خلدون مدة
سنتين(758-759هـ), ولم يطلق سراحه إلا بعد وفاة السلطان أبي عنان واستبداد
الوزير الحسن بن عمر بأمور الدولة.
وقام أبو سالم شقيق أبي عنان
للمطالبة بعرش أبيه مستعينا بوزيره ابن مرزوق الخطيب الذي استعان بدوره
بابن خلدون في إقناع شيوخ بني مرين لما كان بينه وبينهم من المحبة
والائتلاف. وعندما استقر على العرش راعى لابن خلدون صنيعه فاستعمله في
وظيفة الكتابة ثم أسند إليه خطة المظالم التي كانت من المناصب القضائية
الرفيعة ولا يتولاها عادة إلا كبار الفقهاء. ولكن عهد السلطان أبي سالم لم
يدم طويلا (760-762هـ) إذ سرعان ما ثار عليه شيوخ بني مرين بقيادة عمر بن
عبد الله الفودودي فقتلوه, واستأثر الوزير عمر هذا بالسلطة وأقر ابن خلدون
في وظائفه. ولكن صاحب الرحلة لم يرض بذلك, بل كان كما قال عن نفسه, يسمو
بطغيان الشباب إلى أرفع مما كان فيه( ).
فأعرض عن الوزير المذكور, وطلب
منه السماح له بالرجوع إلى بلده أفريقية, ولكن الوزير امتنع أول الأمر خوفا
من أن يدخل ابن خلدون في خدمة بني عبد الواد وفي ذلك يقول: "فطلبت الرحلة
إلى بلدي أفريقية, وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان والمغرب
الأوسط, فمنعني من ذلك, أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكاني فأقيم عنده
ولجّ في المنع من ذلك"( ). هكذا يخبرنا ابن خلدون عن السبب الذي حمل الوزير
عمر بن عبد الله على منعه من الرحيل إلى بني عبد الواد, دون أن يعطينا
تفاصيل كيفية وتاريخ استرجاعهم ملكهم من بني مرين بتلمسان, وهو ما ذكره
بشيء من التطويل في كتابه العبر( ), وكان ذلك عام 760هـ/1358م على يد أبي
حمو موسى الثاني.
ولكن بعد مساع ووساطات وافق الوزير الفودودي على
مغادرة ابن خلدون مدينة فاس شريطة ألا يعرّج على تلمسان العاصمة الزيانية
ويختار الذهاب إلى أي مكان أراد. "وأبيت أنا إلا الرحلة, واستجرت في ذلك
برديفه وصديقه الوزير مسعود بن رحو بن ماساي ودخلت عليه يوم الفطر سنة
763هـ وأنشدته شعرا, فأعانني عليه, حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة
العدول عن تلمسان في أي مذهب أردت, فاخترت الأندلس"( ).
أقام ابن خلدون
في الأندلس من أول سنة 764هـ/1362م إلى منتصف عام 766هـ/1364م تاريخ رحيله
إلى بجاية بدعوة من صديقه الأمير أبي عبد الله محمد الحفصي الذي كان قد
وعده بمنصب الحجابة عندما يسترجع إمارته. ولما وصل إلى بجاية خصص له صاحبها
استقبالا يليق بالمنصب الخطير الذي أسنده إليه, فبلغ بذلك ابن خلدون قمة
مطامحه, فهو من جهة المستقل بأمر الدولة, ومن جهة أخرى المحدث والخطيب
بمسجد القصبة. ولكن ذلك الوضع لم يدم طويلا, فما هي إلا سنة حتى نزل ابن
خلدون من تلك المرتبة بسبب الأحداث والتطورات التي عرفها المغرب الأوسط.
ذلك
أن الأمير أبا عبد الله الحفصي صاحب بجاية سرعان ما دخل في نزاع مسلح مع
ابن عمه أبي العباس صاحب قسنطينة الذي هزمه مرتين, الأولى بفرجيوة أواخر
سنة 766هـ/1364م والثانية قرب سطيف في أوائل السنة الموالية. ولم يستطع
أمير بجاية مواجهة الحروب مع ابن عمه في الجبهة الشرقية, ومع بني عبد الواد
في الجبهة الغربية في آن واحد, فآثر تغيير موقفه إزاء أحد الطرفين ليستعين
به على الآخر. فعزم على تحسين علاقاته مع السلطان الزياني أبي حمو بتسوية
الخلاف الذي نشأ بينهما في شأن تدلّس, فتنازل له عنها وأصهر له في إحدى
بناته, وتم زفاف أبي حمو منها في أوائل ربيع سنة 767هـ/1365م.
ولكن
الأحوال لم تتحسن في إمارة بجاية, وازداد الوضع تدهورا, وفي ذلك يقول صاحب
الرحلة: "ثم نهض السلطان أبو العباس صاحب قسنطينة وجاس أوطان بجاية, وكاتب
أهل البلد, وكانوا وجلين من السلطان أبي عبد الله بما كان يرهف الحدّ لهم,
ويشدّ وطأته عليهم, فأجابوه إلى الانحراف عنه. وخرج السلطان أبو عبد الله
يروم مدافعته ونزل جبل ليزو معتصما به, فبيته السلطان أبو العباس في عساكره
وكبسه في مخيمه وركض هاربا فلحقه وقتله"( ). وكان فقدان أمير بجاية
لمملكته وحياته على يد ابن عمّه صاحب قسنطينة في 20 شعبان 767هـ/1365م, وهي
الحادثة التي كانت شديدة الوقع على نفس ابن خلدون, وشكلت نقطة تحول خطيرة
في تفكيره وسلوكه.
وعندئذ قرّر السلطان أبو حمو صاحب تلمسان الزحف إلى
بجاية بدعوى الثأر لصهره الأمير أبي عبد الله, ولكن الحقيقة هي أن أهل
بجاية كانوا قد كاتبوه ووعدوه بالمساعدة على افتتاحها كما كاتبوا في نفس
الوقت صاحب قسنطينة أبا العباس للتخلص من أميرهم, مصداق ذلك نص صاحب الرحلة
الذي جاء فيه: "وكان أهل بجاية قد توجسوا الخيفة من سلطانهم بإرهاف حدّه
وشدّة سطوته فانحرفوا عنه باطنا, وكاتبوا ابن عمّه بقسنطينة ودسّوا للسلطان
أبي حمو بمثلها يرجون الخلاص من صاحبهم بأحدهما. فلما استولى السلطان أبو
العباس وقتل ابن عمّه, أظهر السلطان أبو حمو الامتعاض للواقعة يسرّ منه
حسوا في ارتغاء, ويجعله ذريعة للاستيلاء على بجاية, بما كان يرى نفسه كفؤها
بعدّه وعديده"( ).
خرج أبو حمو بجيشه في شوال 767هـ/1365م متجها إلى
بجاية مجددا في ذلك ما كان لسلفه في حصارها, وحين علم أبو العباس بحركته
استقدم قائده بشير بجيشه وطلب منه أن يصحب معه أحد أفراد عائلة بني عبد
الواد وهو الأمير أبو زيان ابن أبي سعيد الثاني الذي كان سجينا بقسنطينة.
والتقى الجمعان وأبدى جيش قسنطينة مقاومة شديدة, فأقلع عنهم أبو حمو وضرب
الحصار على بجاية ظنا منه أنه سيفتحها بمساعدة الناقمين على أبي العباس من
أهلها. ولكن ذلك لم يتحقق إذ سرعان ما انقلب هجومه إلى هزيمة شنعاء, أسر
وقتل فيها كثير من جنوده, وهام آخرون على وجوههم, وفر هو بنفسه تاركا للعدو
حرمه وكثيرا من ماله وعتاده, وتعرض علاوة على ذلك لمضايقة الأمير أبي زيان
ابن أبي سعيد المطالب بعرش تلمسان الذي ألبه الأمير أبو العباس بمهارة,
وكانت الهزيمة في ذي الحجة 767هـ( ).
وفي شعبان 769هـ/1367م نهض أبو حمو
بجيشه متوجها شرق المغرب الأوسط, وانضم إليه الدواودة, وقصدوا إلى جبال
تيطري, حيث اعتصم أبو زيان وأحلافه من بني عامر وسويد, يرومون ضرب الحصار
عليهم ولكن دون جدوى, فانهزم جيش أبي حمو ولجأ بنفسه إلى تلمسان, ورجع
الدواودة إلى بلادهم. ولم يجد حلا لما أصابه سوى إرضاء خالد بن عامر وقومه
بالأموال والإقطاعات فانفضوا عن أبي زيان ولكن الأخير حظي بتأييد أبي بكر
بن عريف وقومه من سويد.
فكان موقف أبي بكر بن عريف هذا سببا في غضب أبي
حمو على سويد, وأغراه خالد بن عامر عليهم, فأغار أبو حمو وأتباعه على أراضى
سويد في أوائل صفر سنة 771هـ/1369م ودمر قلعة بني سلامة التي كانت أهم مقر
لهم. وكان لتخريب القلعة وقع سيئ في نفوس سويد فعزموا على الثأر لما أصاب
أهل القلعة من إخوانهم, والتحق أبو بكر بن عريف مع قومه وأحلافه من الديالم
والعطاف بالمغرب الأقصى, مستغيثين بالسلطان عبد العزيز المريني وكان
ونزمار شقيق أبي بكر بن عريف يحتل مكانة سامية في البلاط المريني, فنجح في
إقناع السلطان عبد العزيز في غزو تلمسان والمغرب الأوسط.
انطلقت الحملة
المرينية في أواخر سنة 771هـ تروم العاصمة الزيانية تلمسان, ولما اتصل أبو
حمو بالخبر وكان حينئذ معسكرا بالبطحاء, أغذ السير نحو عاصمته وقلّب الأمور
مع رجال دولته, فاستقر الرأي على مغادرة تلمسان بالجيش والعدة والاتجاه
نحو الجنوب الشرقي عند بني عامر وترقّب أخبار بني مرين. وفي العاشر من شهر
محرم سنة 772هـ/1370م استولى عبد العزيز المريني على تلمسان وكلف وزيره أبا
بكر بن غازي بن الكاس بملاحقة أبي حمو ومطاردته يساعده في ذلك ونزمار بن
عريف مع قومه وأحلافه من سويد.
كان ابن خلدون أثناء ذلك موجودا في
تلمسان في مهمة لصالح أبي حمو الذي كان مناصرا له منذ سنوات بتأليف القبائل
حوله, إذ أصبح مختصا في شؤونها. فاستغل السلطان المريني مكانته لدى
القبائل فطلب منه تأليفها له, وفي ذلك يقول: "ثم أعمل السلطان عبد العزيز
نظره ورأى أن يقدمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطد أمره, وأحملهم على مناصرته,
وشفاء نفسه من عدوه بما كان آنس مني من استتباع رياح, وتصريفهم فيما أريده
من مذاهب الطاعة. فاستدعاني من خلوتي بالعباد عند رباط الولي أبي مدين.
وأنا قد أخذت في تدريس العلم, واعتزمت على الانقطاع فآنسني وقرّبني ودعاني
إلى ما ذهب إليه من ذلك, فلم يسعني إلا إجابته وخلع علي وحملني, وكتب إلى
شيوخ الدواودة بامتثال ما ألقيه إليهم من أوامره, فودّعته وانصرفت في
عاشوراء 772هـ"( ). وقد قام صاحب الرحلة بالمهمة على أحسن وجه.
وكان أبو
حمو الزياني قد اتجه رفقة بني عامر نحو الزاب, إلى أن حلوا بظاهر قرية
الدوسن, وحاول استمالة أولاد محمد من رياح إلى جانبه, ولكن الجيش المريني
فاجأه ففر أحلافه من بني عامر, وانهزم هو ومن بقي معه هزيمة كبرى, وانسحب
إلى الجنوب يروم النجاة تاركا معسكره وذخائره للعدو, وكان ذلك في ربيع سنة
772هـ/1370م. ومنذ ذلك التاريخ دخل السلطان الزياني محنته الكبرى عبر
الصحراء حيث طاردته جيوش بني مرين وأهله وأتباعه. ولم تنجح العملية التي
قام بها في أواسط سنة 773هـ/1371م مع من بقي من أتباعه في الإغارة على
ناحية تلمسان, ولا المحاولة البائسة في شوال من نفس السنة التي انهزم إثرها
شر هزيمة, وعاد إلى تجواله في القفر ليستقر أخيرا بتيقورارين جنوب
الصحراء.
وفي تلك الأثناء أصيب السلطان المريني عبد العزيز الذي كان
مقيما في تلمسان بداء خطير أودى بحياته في ربيع 774هـ/1372م, فاضطربت أحوال
عرش بني مرين وعاد رجال الدولة إلى فاس تاركين على تلمسان الأمير إبراهيم
بن أبي تاشفين الزياني الذي لم يستطع السيطرة على الوضع. وسرعان ما بلغت
تلك الأخبار أبا حمو في الصحراء فانفرجت شدته وعاد إلى دار ملكه فدخلها في
جمادى من نفس السنة, بعد غيبة دامت سنتين كابد خلالها الأخطار والمتاعب( ).
أما
صاحب الرحلة فقد كان مقيما حينئذ عند ابن مزنى صاحب بسكرة, ولما تغيرت
الحال بينهما, قصد ابن خلدون مدينة فاس سنة 774هـ/1372م حيث أقام في ظل
الدولة وعنايتها عاكفا على قراءة العلم وتدريسه, ولكن مقامه فيها لم يطل
أكثر من سنة واحدة, فقد تغيرت له الأحوال وطلب الانصراف إلى الأندلس بقصد
القرار والانقباض والعكوف على قراءة العلم, فأجاز إليها سنة 776هـ/1374م,
ولكنه سرعان ما اضطر إلى مغادرتها بتدخل من رجال المغرب الأقصى, فرجع إلى
العباد بتلمسان ليشتغل بالعلم والتدريس بعد نجاحه في الاعتذار لأبي حمو.
وخلال
إقامته الثانية هذه في العباد وانقطاعه للتدريس, طلب منه السلطان أبو حمو
مرة أخرى القيام بمهمة السفارة إلى قبائل الدواودة لاستمالتها إلى جانبه.
ولكن ابن خلدون كان قد مل هذا النوع من العمل السياسي غير المباشر واستوحش
منه, فتظاهر بقبول المهمة, ولكنه ما إن غادر تلمسان حتى عرّج ذات اليمين
قاصدا قلعة بني سلامة سنة 776هـ التي ارتبط اسمها باسم مقدمته المشهورة.
وفي ذلك يقول: "واستقررت بالعباد ولحق بي أهلي وولدي من فاس وأقاموا معي,
وأخذت في بث العلم. وعرض للسلطان أبي حمو أثناء ذلك رأي في الدواودة, وحاجة
إلى استئلافهم فاستدعاني وكلفني السفارة إليهم في هذا الغرض, فاستوحشت منه
ونكرته على نفسي, لما آثرته من التخلي والانقطاع, وأجبته إلى ذلك ظاهرا,
وخرجت مسافرا من تلمسان حتى انتهيت إلى البطحاء, فعدلت ذات اليمين إلى
منداس, ولحقت بأحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول, فتلقوني بالتحفي والكرامة,
وأقمت بينهم أياما حتى بعثوا عن أهلي وولدي من تلمسان, وأحسنوا العذر إلى
السلطان عني في العجز عن قضاء خدمته, وأنزلوني بأهلي في قلعة ابن سلامة,
فأقمت بها أربعة أعوام متخليا عن الشواغل كلها وشرعت في تأليف هذا الكتاب
وأنا مقيم بها, وأكملت المقدمة منه على ذلك النحو الغريب"( ).
هكذا
تنقطع أخبار المغرب الأوسط في كتاب الرحلة بانعزال صاحبها في قلعة ابن
سلامة وانشغاله بتأليف مصنفه التاريخي الكبير: ديوان العبر بما فيه المقدمة
المشهورة لمدة أربع سنوات(776-780هـ).ثم الرحلة بعد ذلك إلى تونس موطن
أجداده حيث أقام أربع سنوات أخرى(780-784هـ), لينتقل بعد ذلك إلى القاهرة
حتى تاريخ وفاته سنة 808هـ.

الحياة الثقافيـة

إن هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية القلقة المضطربة التي عرضنا
لبعض جوانبها من خلال رحلة ابن خلدون في بلاد المغرب الأوسط, ما كان لها أن
تساعد على قيام حركة فكرية نشيطة. وإذا كان النشاط الفكري الواسع الذي
شهده العالم الإسلامي شرقا وغربا قبل هذا القرن راجعا في الأساس إلى تشجيع
الخلفاء والملوك والحكام, فإن أوضاع هؤلاء خلال القرن 8هـ/14م لم تكن من
الاستقرار بحيث تسمح لهم بتشجيع العلم وأهله, فانشغلوا بعروشهم المتداعية,
وزادت الأوضاع سوءا, تحركات البدو وتهديدهم المدن والأمصار في بلاد المغرب
الإسلامي.
وقد ترك لنا ابن خلدون في كتابه المقدمة وصفا دقيقا وشاملا
لحال العلم وأهله في عصره, وتوقف الفكر الإسلامي وجموده واقتصاره على
الاجترار وانصرافه عن العلوم العقلية, وهو ما يعني أن القرن 8هـ/14م قد عرف
تقهقرا وتراجعا خطيرين في الناحية العلمية والثقافية. وهذا ما عبر عنه
بقوله: "وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب, لتناقص العمران فيه
وانقطاع سند العلم والتعليم"( ). ثم يفصل في ذلك ويصف حالة كل علم من
العلوم النقلية على حدة, كعلوم القرآن من تفسير وقراءات, وعلوم الحديث,
والفقه, وعلم الفرائض, والجدل والخلافيات, وعلم الكلام وغيرها. ثم ينتقل
إلى العلوم العقلية التي كان حظها أسوأ بكثير من العلوم النقلية وهو ما
أشار إليه بقوله: "ثم إن المغرب والأندلس, لما ركدت ريح العمران بهما,
وتناقصت العلوم بتناقصه, اضمحل ذلك منهما, إلا قليلا من رسومه تجدها في
تفاريق من الناس, وتحت رقبة من علماء السنة"( ).
ولكن ألم يكن ابن خلدون
نفسه نتاجا لهذا العصر الذي حكم عليه بالجمود والتقهقر؟. وعليه فمن
الإنصاف للحقيقة أن نشير إلى أنه على الرغم مما ذكره صاحب المقدمة, فإن
بلاد المغرب الإسلامي بما فيها المغرب الأوسط لم تعدم وجود نخبة من العلماء
والمفكرين استطاعوا أن يخترقوا سياج العصر, وأن يرجعوا إلى أمهات الكتب
الدينية والأدبية والفلسفية. وقد أشار هو نفسه إلى ثلة من هؤلاء في كتاب
الرحلة, ممن تتلمذ لهم ودرس عليهم في حواضر المغرب الإسلامي, يهمنا منهم
بطبيعة الحال أبناء المغرب الأوسط حسبما يقتضيه الموضوع وهم:
1ـ ابنا
الإمام وهما أبو زيد عبد الرحمن بن محمد أكبرهما, وأبو موسى عيسى الأخ
الأصغر. وأصلهما من برشك من أعمال تلمسان, رحلا إلى تونس لطلب العلم حوالي
سنة 700هـ/1300م, فدرسا العلوم الدينية على تلامذة ابن زيتون, وأبي عبد
الله بن شعيب الدكالي, ثم عادا إلى المغرب الأوسط بحظ وافر من العلم,
وانتحلا مهنة التدريس بجزائر بني مزغنة ومليانة. وبعد انتهاء الحصار
المريني الطويل على تلمسان قدما إليها, واتصلا بأبي حمو موسى الأول فأثنى
عليهما وبنى لهما المدرسة المعروفة باسمهما, وأقاما يدرّسان بها إلى أن
استولى أبو الحسن المريني على تلمسان سنة 737هـ/1336م, فسمت منزلتهما عنده,
وفي ذلك يقول ابن خلدون: "وكانت لهما شهرة في أقطار المغرب, أثبتت لهما في
نفس السلطان عقيدة صالحة, فاستدعاهما لحين دخوله وأدنى مجلسهما وأشاد
بتكرمتهما, ورفع محلهما على أهل طبقتهما, وصار يجمّل بهما مجلسه متى مر
بتلمسان, أو وفدا عليه في الأوقات التي يفد فيها أعيان بلدهما"( ).
وظل
الأخوان على تلك المكانة حتى سنة 743هـ/1342م تاريخ وفاة أكبرهما أبي زيد
عبد الرحمن الذي أخذ عنه الكثير من العلماء المشهورين أمثال الآبلي,
والمقري الجد, وأبي عبد الله الشريف, والعقباني, وابن مرزوق وغيرهم, ومن
تآليفه شرح مختصر ابن الحاجب. وأما أخوه أبو موسى عيسى فقد استمرت له
الصدارة بين العلماء في مجلس أبي الحسن المريني الذي صحبه معه إلى تونس حيث
درس عليه ابن خلدون. وكانت وفاته سنة 749هـ/1348م بالطاعون الجارف.

أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد النور، من أهل مدينة ندرومة وبها نشأ
وتعلم, ثم انتقل إلى تلمسان حيث تتلمذ لعالمي العصر الأخوين الشقيقين أبي
زيد عبد الرحمن وأبي موسى عيسى سابقي الذكر, وكانت له رحلة إلى المشرق لقي
بها جلال الدين القزويني وحلبته. وقد جاء عنه في الرحلة أنه " كان مبرزا في
الفقه على مذهب مالك بن أنس"( ), وهي العبارة التي تناقلتها المصادر
الأخرى، كالونشريسي في الوفيات والتنبكتي في النيل وصاحب شجرة النور
الزكية.
أما ابن مرزوق الخطيب فقد حلاه بالعبارات التالية "وكان أفصح
الناس لسانا وأحسنهم طريقة وأعذبهم عبارة، وكان محبوبا لبني مرين أعزهم
الله ولسائر زناتة، فإنه كان أفصح الناس لسانا بالعربية والزناتية يتصرف في
لسان زناتة بما لا يتصرف به أكابرهم، ويضرب الأمثال التي يستغربونها ويحفظ
أشعارهم، وكان مشاركا في علوم، وأعانه على ظهوره لسانه"( ). ومما يؤسف له
أن جميع المصادر التي ترجمت للقاضي ابن عبد النور لم تذكر أنه كان من
المؤلفين رغم تبحره في فقه مالك وفصاحة لسانه. ولعل وظائف القضاء والتدريس
والإفتاء قد شغلته عن ذلك.
ومن تلامذته: المقري الجد, وابن خلدون وقد
أخذ عنه في تونس حين قدم إليها رفقة السلطان أبي الحسن المريني سنة 748هـ
إذ كان قاضي عسكره, وأبو عبد الله الشريف, والخطيب ابن مرزوق, وخالد بن
عيسى البلوي وغيرهم. وكانت وفاته هو أيضا بالطاعون الجارف سنة 749هـ.
3-
أبو عبد الله محمد بن علي بن النجار, ولد ونشأ بتلمسان وفيها أخذ عن
الآبلي وعن مشيختها, ثم رحل إلى المغرب الأقصى فدرس بسبتة على إمام
التعاليم أبي عبد الله محمد بن هلال, وفي مراكش على أبي العباس ابن البناء.
وكان إماما في العلوم العقلية والتعاليم, ورجع إلى تلمسان بعلم كثير ودرّس
بها, ثم انضم إلى مجلس أبي الحسن المريني, وانتقل معه إلى إفريقية حيث درس
عليه صاحب الرحلة, وهناك هلك في الطاعون. ومن تلامذته أبو عبد الله الشريف
والمقري الكبير وابن الفحام( ).
4- الآبلي أبو عبد الله محمد بن
إبراهيم أصل أجداده من آبلة بالأندلس, ولد ونشأ بتلمسان في كفالة جدّه
القاضي ابن غلبون. رحل إلى المشرق وحج ولقي كثيرا من العلماء الجلة. ثم عاد
إلى بلاده وأخذ عن أبي موسى ابن الإمام علما غزيرا, ولم يستطب وظيفة
الجباية التي كلفه بها أبو حمو الأول صاحب تلمسان فرحل إلى المغرب الأقصى
وأخذ عن أبي العباس ابن البناء بمراكش. ثم استقر بفاس واتصل بأبي الحسن
المريني فنظمه في مجلسه العلمي, وانتقل معه إلى تونس سنة 748هـ, وأقام هناك
حتى سنة 753هـ, تاريخ عودته إلى فاس حيث وفد على أبي عنان المريني الذي
نال عنده حظوة كبرى. وواصل التدريس بفاس إلى أن توفي بها سنة 757هـ. وقد
ساهم في تكوين جيل من كبار العلماء وفي مقدمتهم صاحب الرحلة الذي كان من
أخص أساتذته.
لقد تحدث ابن خلدون عن أستاذه الآبلي بكل إعجاب وتقدير,
سواء في الرحلة أو في مقدمة لباب المحصل, ويظهر من كلامه أن الآبلي هذا
كان, بدون منازع, فيلسوف العصر. وقد دفعه إعجابه الكبير به إلى وصفه في
اللباب بأنه: "الإمام الكبير, العالم العلامة, فخر الدين والدنيا, حجة
الإسلام والمسلمين, غياث النفوس, شيخ الجلالة وإمامها, ومبدأ المعارف
وختمها, ألقت العلوم زمامها بيده, وملّكته ما ضاهى به كثيرا ممن قبله, وقلّ
أن يكون لأحد من بعده, فهي جارية وفق مراده, سائغة له حالتي إصداره
وإيراده..."( ), ويصفه في التعريف غير ما مرة بأنه شيخ العلوم العقلية,
وكان يعلّم هذه العلوم "ويبثها بين أهل المغرب حتى حذق فيها الكثير منهم من
سائر الأمصار, وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه"( ).
5- ابن مرزوق
الخطيب أبو عبد الله محمد بن أحمد, ولد ونشأ بتلمسان, رحل إلى المشرق لطلب
العلم, ثم عاد إلى بلاده سنة 733هـ/1332م فوجد أبا الحسن المريني محاصرا
لتلمسان فالتحق ببلاطه وحظي عنده, وصحبه في سائر تنقلاته. وبعد موته اتصل
بابنه السلطان أبي عنان ومكث في بلاطه. وفي أيام السلطان أبي سالم عظم
نفوذه وأصبحت زمام أمور الدولة المرينية بيده, ولما أطيح بأبي سالم وقتل,
سجن ابن مرزوق سنة 762هـ/1360م, ثم أفرج عنه وتوجه إلى تونس واستقر بها سنة
766هـ/1364م وأقام هناك خطيبا ومدرسا حتى سنة 772هـ/1370م تاريخ رحيله إلى
القاهرة واتصاله بالسلطان الأشرف الذي أكرمه وولاه التدريس وقضاء المالكية
إلى أن توفي في ربيع سنة 781هـ/1379م. له عدّة مؤلفات اشتهر منها المسند
الصحيح الحسن في أخبار المولى أبي الحسن, الذي يشتمل على عرض مفصل لحياة
أبي الحسن المريني( ).
تلك ثلة من علماء المغرب الأوسط ممن صحبوا
السلطان المريني إلى تونس حيث تتلمذ لهم ابن خلدون. كما أخذ عن غيرهم حين
رحل إلى فاس سنة 755هـ/1354م واتصل بأبي عنان وانضم إلى مجلسه العلمي "فعكف
على النظر والقراءة, ولقاء المشيخة من أهل المغرب, ومن أهل الأندلس
الوافدين في غرض السفارة وحصل من الإفادة منهم على البغية"( ). ومن علماء
المغرب الأوسط الذين استفاد منهم صاحب الرحلة في فاس, قاضي الجماعة أبو عبد
الله محمد بن محمد المقري التلمساني (ت 759هـ/1357م) جد صاحب نفح الطيب,
وهو الذي كتب نص بيعة السلطان أبي عنان في تلمسان سنة 749هـ/1348م حين خلع
أباه أبا الحسن( ). ومنهم الشريف التلمساني أبو عبد الله محمد بن أحمد (ت
771هـ/1369م), "الإمام العالم الفذ, فارس المعقول والمنقول, وصاحب الفروع
والأصول, لزم الآبلي وتضلع من معارفه, فاستبحر وتفجرت ينابيع العلوم من
مداركه..."( ).
هذا وكان صاحب الرحلة نفسه من المساهمين في تفعيل الحياة
الثقافية بالمغرب الأوسط من خلال ممارسته لمهنة التدريس في مدرسة العباد
بتلمسان ومسجد القصبة ببجاية, ولعل أهم حدث فكري وثقافي ساهم به ابن خلدون
في حياة المغرب الأوسط الثقافية تأليفه لمقدمته المشهورة بقلعة بني سلامة
وشروعه في كتابة مصنفه التاريخي الكبير ديوان العبر.




د. محمد بن معـمر - الجزائر


ندوة الجزائر الأولى 2004
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
القيصر العربي
عضو نشيط
عضو  نشيط


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 7543

مُساهمةموضوع: رد: واقع المغرب الأوسط من خلال رحلة ابن خلدون   22.11.12 21:15

جزاك الله خيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

واقع المغرب الأوسط من خلال رحلة ابن خلدون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 



صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الجزائريين والعرب :: **المنتدى العام**
 :: الركن الإسلامي :: منوعات إسلامية
-