عُرِفَ النبي صلى الله عليه وسلم في قومه قبل بعثته بعظيم الخُلق، وكريم الشمائل، فكان أحسن قومه خُلقاً، وأصدقهم حديثاً، وأوفاهم عهداً، ولم يشك في صِدْقه أعداؤه فضلاً عن أصحابه، حتى اشتهر في قومه بالصادق الأمين؛ لما يعلمونه من أمانته وصدقه صلوات الله وسلامه عليه. وكان العربي الذي لا يعرفه صلى الله عليه وسلم إذا رآه يقول: "والله ما هذا وجه كذاب"، وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل (أسرع) الناس إليه، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب" رواه أحمد. قال ابن هشام في "السيرة النبوية": " فشبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يكلؤه ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلاً، وأفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم حسباً، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزهاً وتكرماً، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة".

وعلى كثرة ما افترى المشركون به على النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم: ساحر، شاعر، مجنون، إلا أنهم لم يتهموه بالكذب، وإذا كان من الطبيعي أن يثني التابعون على متبوعهم، فليس عجيباً ولا مستغرباً أن يشهد لصدق النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأتباعه، لكن العجيب هو ثناء الكثير من أعدائه الذين عاصروه ولم يؤمنوا به، وشهادتهم له بالصدق، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمى الأمين، فعرفوا أنه لا يكذب في شيء، ولكنهم كانوا يجحدون".

ويؤكد النضر بن الحارث -أشد قريش عداء للإسلام- على صدق النبي صلى الله عليه وسلم حين قام خطيباً في قريش قائلاً لهم: "يا معشر قريشٍ! إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعْد، قد كان محمدٌ فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة". وكان الحارث بن عامر يُكّذب النبيَّ صلى الله عليه وسلم في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: "ما محمد من أهل الكذب".

وعن عليّ رضي الله عنه: "أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام :33). وروى ابن جرير الطبري عن السدي في قوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام:33) قال: لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة! إن محمداً ابن أختكم، فأنتم أحق من كفَّ عنه، فإنه إنْ كان نبياً لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذباً كنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا ها هنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غُلب محمد رجعتم سالمين، وإن غَلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئاً، فيومئذ سمي الأخنس، وكان اسمه "أُبي"، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمدٌ قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجاب والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} فآيات الله: محمد صلى الله عليه وسلم".

وكذلك شهد أبو سفيان ـ قبل إسلامه ـ بين يدي هرقل ملك الروم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأله هرقل: "فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا .. فقال هرقل لأبي سفيان: "وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله" رواه البخاري.

وذكر ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى": "أن المسور بن مخرمة سأل أبا جهل عن حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يا خالي! هل كنتم تتهمون محمداً بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال: يا ابن أختي! والله لقد كان محمد فينا وهو شاب يدعى الأمين، فما جربنا عليه كذباً قط، قال: يا خال! فما لكم لا تتبعونه؟ قال: يا ابن أختي! تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا (جلسنا للخصومة) على الرُكب كنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي فمتى ندرك مثل هذه؟".

لقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم معروفاً ومشهوراً بالصدق في قومه، فقد روى البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (لما نزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء:214)، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصَّفا، فجعل ينادي: يا بني فِهْرٍ، يا بني عَدِيٍّ، لبطونِ قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيْتَكم لو أخبرتُكم أن خيْلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم، أَكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ قالوا: نعم، ما جَرَّبْنَا عليك إلا صدقاً).

إن التناقض الحاصل في موقف مشركي قريش من معرفتهم ويقينهم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ثم عدم إيمانهم به أمر جرت به عادة مَن قبلهم مع رسلهم، لا لشيء إلا لعنادهم ومعاداتهم لدعوتهم، وكِبْرهم وحسدهم، وصدق الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام:33).

يقول الماوردي: "لقد كان صلى الله عليه وسلم محفوظ اللسان من تحريف في قول، واسترسال في خبر يكون إلى الكذب منسوباً وللصدق مجانباً .. حتى صار بالصدق مرقوماً وبالأمانة مرسوماً (موصوفا)، وكانت قريش بأسرها تتيقن صدقه قبل الإسلام، فجهروا بتكذيبه في استدعائهم إليه، فمنهم من كذبه حسداً، ومنهم من كذبه عناداً، ومنهم من كذبه استبعاداً أن يكون نبياً أو رسولاً، ولو حفظوا عليه كذبة نادرة في غير الرسالة لجعلوها دليلاً على تكذيبه في الرسالة .. ومن لزم الصدق في صغره كان له في الكبر ألزم، ومَنْ عُصِم منه في حق نفسه كان في حقوق الله تعالى أعصم، وحسبك بهذا دفعاً لجاحد، ورداً لمعاند".
منقول