الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
الصحف الجزائرية algerianpress

************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
************
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

  أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
zaara
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 6994

مُساهمةموضوع: أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي   17.08.14 11:09





النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ
قد يحتاج النظام الاقتصاديُّ الإسلاميُّ إلى حديث طويل, وقد يحتاج إلى مقارنةٍ مع أنظمةٍ متعددةٍ؛ شرقية وغريبة, ليس من قبيل مقارنة المثيل بالمثيل, ولكن قريبًا من مقارنة الظلام والنور، والظل والحرور, وبضدها تتميز الأشياء, لكن حسبنا في هذا المقام أن نرسم الخطوط العريضة لندع للدراسة الواسعة المتأنية التفصيل بمشيئة الله.

ويكتفي بالحديث عن أمرين:

1- خصائص النظام الإسلاميِّ الاقتصاديِّ.

2- الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ.

وإن كان الفصل بين الأمرين مجرد فصل نظريٍّ.

أولًا: خصائص النظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ.

1-نظام ربانيٌّ:

بمعنى: أن مصدره هو الله سبحانه, بما جاء في كتابه, أو في سنة رسوله, أو ما أجمع عليه العلماء المسلمون, أو ما كان سابقهً ناجحةً في نظام الحكم الإسلاميِّ؛ لأنها مستقاة أولًا من معين ربانيٍّ، ولأنها ثانيًا اجتهاد صحابةٍ أو تابعين لهم بإحسان, يغني عنها اجتهادنا لو بلغنا إلى أفضل مما بلغوه, وربانية النظام تجعل له سحرًا آخر.

أولًا: أنه يستثير في النفس وازعًا لحفظه وحمايته أقوى من كل وازع, فلا تحتاج إلى كثير من الأجهزة الثقيلة المعقدة التي أثقلت بها كواهل الشعوب، وأثقلت بها ميزانيات الدول، وثقلت بها صدور الناس! ومن هنا ندرك الفارق بين حصيلة الزكاة على عهد عمر بن عبد العزيز

التي وفت كل المحتاجين من الفقراء والمساكين، ثم العاملين عليها، ثم بقية المصارف الأخرى, حتى بلغت إلى الغارمين، فسددت الدولة عن المدينين ديونهم.

ندرك الفارق بين مثل هذه الحصيلة, ومجموع حصيلة الضرائب كلها, المتعددة التي لا تكاد تسد مصرفًا واحدًا من هذه المصارف!

ثانيًا: تجعل احترامه والخضوع له من المحكوم ومن الحاكم على السواء؛ لأنه من مصدر فوق هذا وذاك وأعلى وأسمى.

ثالثًا: يتحقق التكامل بين النظام الاقتصاديّ والنظام الاجتماعيّ والنظام السياسيّ؛ لأن الكل من مصدر واحد, والتجزئة بينها غير جائزة!

2- انتقاء الندرة:

مشكلة المشاكل في النظم الاقتصادية المعاصرة هو ما يتناولونه تحت عنوان: الندرة, ويقصدون به قلة الموارد بالنظر إلى تزايد الناس, أو ما يصطلحون عليه بالانفجار السكانيّ, وهذه المشكلة لا وزن لها, بل لا وجود لها في النظام الإسلاميّ.

أولًا: لأن هذا النظام تقوم عقيدة أصحابه على {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} 1 وعلى أنه {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 2 وعلى أن الله قسم الرزق كما قسم الأجل، وإن الرزاق ليطلب المرء كما يطلبه أجله.

ومن ثَمَّ فلا يمكن أن يأتي وقت, أو يوجد مكان, تحقق فيه الندرة, اللهم إلّا أن يكون الأمر عقابًا من عند الله {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} 3 وكلما أقبلت الأمة على الله, كلما زاد لها في رزقها {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} 4.

1 الذاريات 58.

2 هود 6.

3 الأعراف 130.

4 الأعراف 96.

{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} 1.

أضف إليها بعد ذلك قول الحكيم الخبير: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} 2 فنعمة الله ليست نادرةً, بل هي أعظم من أن تحصى.

ثانيًا: من ناحية الواقع

فإن واقع الأمة الإسلامية يؤكد أمرًا هامًّا, أنها إن عادت أمة واحدة، وعادت إلى ربها, فلا يمكن أن تتحقق فيها ندرة أبدًا..

- إن المنطقة الإسلامية أخصب بقاع الأرض زراعيًّا..

- وأغنى بلاد الأرض بالمواد الأولية، وفي مقدمتها أنفسها، الذهب, واليورانيوم, والبترول.

- وهي أوسط بلاد العالم موقعًا تجاريًّا واستراتيجيًّا؛ إذ تشرف على منافذ البحار والمحيطات, ويمكن لها أن تتحكم فيها، وهي من ناحيةٍ أخرى تقع في مكان وسط بين قارات العالم, وهي من ناحيةٍ ثالثةٍ أكثر البلاد اعتدالًا وصلاحيةً لكل أنواع الإنتاج.

ومن ثَمَّ, فإن صح أن توجد الندرة في الشرق أو في الغرب بذنوب أهله وعصيانهم، وبافتقاد المكان الذي حبا الله به أمة محمد -عليه الصلاة والسلام.

- فإنه لا يصح بالنسبة للأمة الإسلامية إذا عادت مرة أخرى أمةالإسلام؟

3-ابتغاء الآخرة:

وقد كان يصح أن تكون هذه هي الخصيصة الثانية, لكنَّا فضلنا أن نشير إلى الربانية, ثم إلى الندرة باعتبار الأولى صبغة هامة عامة, وباعتبار أهمية الثانية عند أهل العصر, ومخالفةالإسلام لها..

1 نوح 10-12.

2 إبراهيم 34.


أما ابتغاء الآخرة فهي خصيصة هامة, وتأخيرها لا يقلل من أهميتها, وابتغاء الآخرة يخفف كثيرًا من غلواء الأنظمة القائمة التي تتعامل وكأنه ليس في الحياة إلّا المادة, وكأن ليس بعد الدنيا آخرة يحاسب فيها المرء {فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}
 النازعات 37-41.

الدنيا.. إنما تصير الدنيا وسيلةً لا غايةً، مرتقًى وليست منتهًى، طريقًا إلى هدف, وليست هدفًا في ذاتها: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}
 القصص 77

وهكذا يتضح وضعالاقتصاد, إن الاهتمام به واجب, لكنه لا يلهي عن الأخرة؛ لأنه نفسه طريق إلى الآخرة, وإذا ابتغى الإنسان الآخرة في اقتصاده؛ فردًا كان أو دولةً, وسار على الطريق الذي رسمهالإسلام, فإنه بلا شكٍّ يؤدي إلى عبادة من أجَلِّ العبادات؛ لأن العبادات ليست قاصرةً على النسك والتعبد, إنما تشمل كل أنشطة الحياة وكل مجالاتها.

                                                                         راجع "الإيمان الحق", الدكتور علي جريشة.

4- التوازن:

وهذه الخصائص المتقدمة تفضي إلى ما يسمى بالتوازن الاقتصادي, وقد كان ذلك يكفي لتقول إن النظام الإسلاميّ الاقتصاديّ يقوم على التوازن, لكنالإسلام أكد هذه الخاصية بأكثر من سبيل:

فجعل التوازن أمرًا ملزمًا للفرد {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} 1.

وجعلها بعد ذلك صفةً للجماعة لازمةً {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" 2. ثم جعلها أخيرًا صفةً للأمة التي أضفى عليها الخيرية في مكان آخر {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 3.

وهكذا تكتمل حقلة التوازن أمرًا وتوجيهًا, ومن قبل ذلك نتيجةً لازمةً لخصائص أخرى!وبهذا ينفرد النظام الاقتصاديّ عن أنظمةٍ كثيرةٍ تعاني انعدام التوازن!

5-النظام الاقتصاديّ الإسلاميّ يرفض الترف:

قد كان يكفي أن نقول أنه متوازن, فهو يعنيأنه يرفض الإسراف، والترف قَمَتَه1, لولا أن الله ينص على الترف؛ جعله قرين الفسق, أو جعل الفسق نتيجةً, وجعل الهلاك والدمار عاقبته {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} 4 ومعنى الآية الكريمة

1 الإسراء 29.

2 الفرقان 67.

3 البقرة 143.

4 الإسراء 16.



أمرنا مترفيها أن يرجعوا ويلتزموا, لكنهم أبوا وفسقوا, فكان الهلاك والدمار.

وفي القراءة الأخرى بتشديد الميم, تعني معنى آخر، إنه إذا كان الأمر إلى المترفين, فسلام على الأمة, إنها لابد هالكة؛ لأنه إذا اجتمعت السلطة مع الترف, فإنها لا تنتج غير الفسق، ولا ينتج الفسق إلّا الهلاك والدمار1.

ولقد يكون الهلاك والدمار في صورة آيةٍ من آيات الله التي أهلك بها أممًا من قبل, قال فيها: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} 2.

كما قد يكون بتسليط أعداء الله عليها ليذيقوها ألوانًا من العذاب والهوان والإذلال, أو لتتقلب من الرأسمالية الطاغية التي يتحكم فيها الترف والمترفون, إلى النقيض من ذلك, إلى جحيم الشيوعية التي يتحكم فيها السفلة والكافرون!إن الشيء إذا زاد عن حَدِّهِ انقلب إلى ضده!

الترف يؤدي إلى ضرر اقتصاديّ هامٍّ, أنه إذا شاع أدى إلى زيادة الاستهلاك على الإنتاج, وأدى إلى التضخم, وما يترتب على ذلك من اختلال التوازن الاقتصاديّ، وحدوث الأزمات الاقتصادية, وذلك كله فوق الأضرار الاجتماعية الخطيرة التي يؤدي إليها, وفوق الأضرار السياسية, وفي مقدمتها تمكن الشيوعية الكافرة من بلاد المترفين!

وجماع هذه الأضرار أو نتيجتها هو ما أكده القرآن: الهلاك والدمار، فليحذر المترفون, وليحذر الساكتون على المترفين.

1 ورد الحديث عن الترف في آيات أخرى "بأن جعلت المكذبين من المترفين.. {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] وبعضها جعل المترفين من أهل النار {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ، وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيم} [الواقعة: 45، 46] .

2 الطلاق: 8، 9.


___________________
إن الهلاك والدمار يقترب منهم, فوق هلاك ودمار أشد وأكبر, إنه الجحيم يوم القيامة!

وخير للمترفين أن يضحكوا بشيء قبل أن يحرموا كل شيء, وخير لهم أن يملأوا أنصاف بطونهم, قبل أن تملأها الزقوم وشراب الجحيم {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}
 الدخان 45، 46.

وحسبنا هذه الخصائص الخمس لننتقل إلى الحديث عن الخطوط العريضة للاقتصاد الإسلاميّ, فإنها إذا أزلنا الحاجز النظريّ, كذلك خصائص!

ثانيًا: الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصاديّ الإسلاميّ

تنبع هذه الخطوط من التوازن الاقتصاديّ, وصبغ الأنشطة الاقتصادية المختلفة بالصبغة الربانية

ونكتفي بخطوط ثلاثة رئيسية:

1- ملكية متوازنة.

2- حرية اقتصادية متوازنة.

3- نظام مصرفيّ متوازن.

ونتناولها بإذن الله على التوالي.

1-ملكية متوازنة:

تَمَلُّكُ الإنسان أمرٌ فطريٌّ, حتى عدها علماء النفس إحدى غرائزه, والغريزة في علم النفس لا تقتل، ولكن يتسامى بها, ومن ثَمَّ فلا سبيل إلى قتل حب التملك في النفوس, والنظام الذي يفعل ذلك يقتل نفسه!

ومن هنا كان الخطأ الرئيسيّ في النظام الشيوعيّ النظريّ الذي لم يستطع حتى الآن أن يطبق نظريته تطبيقًا عمليًّا كاملًا، وإن انتحل التعلات والمعاذير!

لكن إطلاق العنان لهذه الغريزة شأن إطلاق العنان لأية غريزة أخرى, يهلك الإنسان ويحطمه، كما يهلك النظم كله ويحطمها, ومن هنا كان خطر الرأسمالية الطاغية التي تطلق العنان للملكية, حتى تغدو لونًا من الإقطاع يسلب الناس ويستبعدهم, ويأكل أو يشرب ثمرات جهودهم، وقطرات جبينهم, بل ويمتد إلى قطرات دمائهم1, ومن ثَمَّ كان خطأ الرأسمالية أو المذهب الفرديّ..

وبين هذا وذاك, كان نظامالإسلام قوامًا، وكان كذلك قوَّامًا, والأمر أوسع من أن نعرض له في هذه العجالة.

إن الملكية فيالإسلام معترف بها؛ لأن ذلك يؤدي قدرًا كبيرًا من إنجاح النظام الاقتصاديّ, فإن سُلِبَ العامل ثمرات جهوده بحرمانه من التملك, يجعله والخامل سواء, ومن ثَمَّ يركن النشاط الاقتصاديّ إلى الركود, ويضعف الإنتاج, ويتهدد البلد البطالة والمجاعة, ومن بعدها الانهيار والهلاك!

وروسيا الاشتراكية مثل قريب, فإن إنتاج روسيا لم يزد طوال خمسين عامًا من الحكم الشيوعيّ القائم على إضعاف الملكية الفردية, والمنادى بإلغائها, لم يزد عما كان عليه في العهد القيصريّ أكثر من 4%, فقد كان إنتاجها في العهد القيصريّ 46% من الإنتاج الأمريكيّ، وصار إنتاجها في العهد الشيوعيّ, وبعد خمسين عامًا من حكمه 50% من الإنتاج الأمريكيّ.

فهل تستحق الـ4% الزيادة, كل هذا الفناء والإفناء الذي أحدثه الحكم الشيوعيّ الغاشم؟!

وبلوغ الإنتاج الروسيّ مثل الإنتاج الأمريكي, حلم قصرت دون
________________
1 مقومات الاقتصاد الإسلاميّ, للأستاذعبد السميع المصريّ, مكتبة وهبة, ربيع الثاني 1395,مايو1975.

*******
تحقيقه برامجها الاقتصادية المختلفة, وخططها الخمسية والعشرية, رغم الأمانيّ التي كانت تداعب ساستها وقادتها, وكانوا يدغدغون بها عواطف الشعوب اللهثى والجوعى, التي شقيت بفردوس الشيوعية الكاذب! لكن هذه الملكية المعترف بها للفرد في النظام الإسلاميّ, ليست طليقةً من كل قيد, بل إن كثيرًا من القيود تحوطها مما يحقق انضباطها، وبما يحقق أداءها لرسالة في المجتمع, يتحقق بها التوازن بين الفردية والجماعية

ولذا فالملكية تؤدي وظيفتين:

وظيفة فردية, بما تحقق للفرد من إشباع, ووظيفة اجتماعية, بما تحقق للمجتمع من فائدة.

وأول قيود الملكية ما أشرنا إليه سلفًا من تحريم الترف.

إن الملكية المترفة مذمومة, وإذا بلغت هذا الحد, فإما انتهى صاحبها من نفسه، وإلّا كان لوليِّ الأمر أن يقوَّمه, والسوابق الإسلامية في ذلك كثيرة, ودفع المفسدة فيالإسلام مقدم على جلب المصلحة, وتلك بعض غايات التشريع الإسلاميّ الحكيم.

ويلحق بالترف أمور أخرى حرمهاالإسلام؛ كالاحتكار، والغش، والتطفيف في الكيل والميزان, ويلحق به كذلك الربا, وهو آفة نفرد لها الحديث عند تناولنا للمصارف بإذن الله, وهذه كلها فيها آثار كثيرة ومشهورة.

وثاني هذه القيود: ما أقامهالإسلام من ألوان الملكية الجماعية, وهي مرافق كانالإسلام أسبق في تقدير جعل ملكيتها في يد الجماعة لا الفرد؛ لأن خيرها يعم الجميع، وضرر تركها أو منعها كذلك يعم الجميع، ومن ثَمَّ كانت الجماعة -ممثلة في أولي الأمر فيها- أقدر على إدارتها لتحقيق غايتها.

والمثل التقليدي في ذلك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء في ثلاث: "الماء والكلأ والنار" لكن علماء المسلمين قاسوا عليه كل مرفق تظهر حاجة الجماعة إليه, وأهمية ملكيتها له.

وثالث هذه القيود: نظام الميراث

الذي قد يبدو لأول وهلة, أنه نظام رأسماليّ؛ إذ يعتد بالملكية وينقلها إلى ورثة صاحبها, لكن المتأمل فيه يجده قيدًا على الملكية؛ إذ يجري توزيعها وفق نظام دقيق يكفل:

1- تفتيت هذه الثروة وانتقالها إلى أيدٍ متعددةٍ بدلًا من احتواء يد واحدة لها.

2- أنه يجري توزيعه تبعًا للحاجة؛ فإذا كانت حاجة الأولاد أشد من حاجة الآباء باعتبار أولئك مقبلين وهؤلاء مدبرون, كان نصيب الأولاد أكبر, وإذا كانت حاجة الذكر أشد من حاجة الآنثى؛ إذ يقوم هو على عائلةٍ, بينما تكون الأنثى من بين عائلةٍ يُقَامُ عليها, كان كذلك نصيب الذكر أكبر.

3- فوق أن النظرة الاقتصادية السليمة تجعل وضع الملكية في يد الأبناء وهم أنشط -أولى من وضعها في يد الآباء, والأغلب أنهم طاعنون في السن- كذلك وضعها في يد الذكر أجدى النشاط الاقتصاديّ, من وضعها في يد الأنثى.

وهكذا يمضي نظام الميراث حكيمًا ليؤدي وظيفة اقتصاديةً عظيمةً, عجز البعض عن إدراكها, فراح يبدل كلام الله، وينتهك حدود الله, ويسوي بين الذكر والأنثى في الميراث؛ ليحقق بذلك الظلم, وهو يحسب أنه يحقق العدل، فليس البشر مهما كان بأعدل من الله, ولا هو أحنى على البشر من رب البشر, الحنَّان المنَّان، الرحمن الرحيم، الكريم الودود!

ورابع هذه القيود ما يجعله من حق في المال:

الزكاة بأنواعها, ولو أخذت هذه الزكاة ممن تجب عليهم، ووزعها ولي الأمر على من تجب لهم؛ لحققت لونًا من العدل الاجتماعيّ لم يبلغه نظام آخر, ولحققت كذلك لونًا من التقارب والتآخي, بل ولاقتربت بالنظام من التوازن الذي يحبه الله في كل شيء.
وقديمًا غطت حصيلة الزكاة -مع حياة الضمائر- غطت الفقراء والمساكين والعاملين عليها, وأعتقت الرقاب، وغطت كذلك المدينين الغارمين, وفي المال حق سوى الزكاة, قد يتمثل فيما يفرضه ولي الأمر المسلم من ضرائب, وقد يتمثل فيما يراه علاجًا للوضع الاقتصاديّ, قد يبلغ في بعض الظروف الاقتصادية الاستثنائية ألَّا يملك أحد شيئًا, وفي الذين كانوا إذا سافروا أرملوا, وفي امتداح الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم مَثَلٌ عظيم!
وخامس هذه القيود منع الضرر:

فملكيتك حق, وللآخرين حق, وحتى لا يطغى حق على حق, وجب أن يمتنع المسلم عن الضرر أو الضرار, حتى يقف عند حدود حقه, فلا يعتدي على حق الآخرين, وبهذا يمتنع تجاوز استعمال الحق.
لكن داخل استعمال الحق نفسه يمتنع لون من الأضرار كذلك, هو ما اصطلح على تسميته: بإساءة استعمال الحق, ويوم اكتشفت هذه النظرية في مطلع القرن العشرين التفت العالم
كله إلى مكتشفها, ونسي الناس -في غيبة الدعوة وغفلة الدعاة- أنالإسلام صاحبها الأول, فقد نَصَّ رسولالإسلام على قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار" وهو أساسها القانونيّ, وطبق الإسلام صورًا عديدة لمنع إساءة استعمال الحق, في مقدمتها: حق الشفعة الذي يؤكد هذا القول تأكيدًا عمليًّا.
وبهذه القيود تتحقق الملكية وظيفتها الجماعية إلى جانب وظيفتها الفردية, فكأن الملكية عملة ذات وجهين؛ أحدهما فرديّ, والثاني جماعيّ.
وهذا غير ما تتابع1 فيه بعض الكتاب جريًا وراء التعبيرات الحديثة؛ من أن الملكية فيالإسلام ذات وظيفة اجتماعية, أن لها الوظيفتين الفردية والجماعية؛ ليتحقق بذلك التوازن لهذا اللون من النشاط.


2-حرية اقتصادية متوازنة:


تحدث الاقتصاديون عن الحرية الاقتصادية, فزعم أبناء الغرب أنها تتحقق في النظام الفرديّ, وأن هذا النظام أجدى لتحقيق وفرة الإنتاج وجودته، وأن القيود التي تفرض على الحرية الاقتصادية لا يجني أصحابها إلّا قلة الإنتاج ورداءته, وهرب رأس المال وبحثه عن أوطان أخرى غير وطنه، ومن ثَمَّ يتأثر الاقتصاد القوميّ تأثرًا بإلغاء بالاجراءات التي ترد قيدًا على الحرية الاقتصادية.
وزعم أبناء ماركس أن الحرية الاقتصادية في الغرب أورثت أزمات البطالة, والدورات الاقتصادية والاحتكار, وغيرها من المساوئ.
ومن ثَمَّ فلا سبيل إلّا بالقيد الثقيل الذي فرضوه, وهو أن تكون الحرية للجماعة لا للفرد, وللفرد قدر حاجته، ومنه قدر قدرته".
والحق أن الغرب أخطأ؛ إذ أطلق الحرية, والشرق أخطأ؛ إذ جعل القيد أصلًا, وفي الإسلام تتوازن الحرية الاقتصادية بين الفرد والجماعة


1 أي: تساقط.


بما يحول دون طغيان طرف على طرف, وبما يحقق للنظام الاقتصاديّ أمثل ما يتمناه، مع نبذ مساوئ كل طرف غالى في الحرية, أو غالى في القيود!

3-نظام مصر فيّ متوازن:

في الغرب شاع النظام المصرفيّ القائم على سعر الفائدة, وهو تعبير آخر عن الربا, وأدرك الناس متأخرين أن اليهود كانوا وراء هذا النظام, وأن بيوت المال قد تجمعت مقاليدها في أيديهم, لما صارت النقود تلد النقود بغير جهد وبغير عمل!

وأدرك علماء الغرب ما في الربا من خطر, وراح البعض يحصي أثر الربا وغيره من ألوان الاحتكار على الجريمة في أمريكا,

حتى قالوا: إن أربعة ملايين ونصف مليون جريمة خطيرة تقع كل عام.

- جريمة قتل كل 29 دقيقة.

- جريمة اغتصاب "زنا بالإكراه" كل 17 دقيقة.

- جريمة سرقة بإكراه كل دقيقتين.

- جريمة سرقة سيارة كل 41 ثانية.

- جريمة سرقة منزل كل 17 ثانية.

وهكذا..

وصدق الله سبحانه {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} .

{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} .

{وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} 1.

إلى أن حمل لنا الوعيد رعيبًا بعدها بآية:

1 البقرة 275, 276.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .

{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} 1.

ومع هذه الصراحة, راح البعض يتأول قول الله: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} 2.

بما يخرج عن مراد الآية الكريمة, ويفرِّق بين ربا الاستهلاك وربا الإنتاج, والبعض الآخر راح يُحِلُّ الربا للدولة, ويحرمه على الأفراد بحجة احتياج الدولة للخروج من أزمتها, بينما قادتها يرفلون في ترف داعرٍ، ونعيم حرام.

واشترى هذا الفريق من العلماء رضى الناس بغضب الله, واستحق ومَنْ وافقوه أو حرضوه أو سكتوا عنه حرب الله ورسوله, وبدلًا من أن يأمر بتحريم الحرام من ذلك الترف الداعر, راح يأمر بتحليل الحرام من الربا علاجًا لأوضاع أوجدوها هم, ولم يوجدها أحد غيرهم!!

ولقد كانت.. توصيات مجمع البحوث الإسلامية صريحة3:

1- الفائدة على أنواع القروض كلها ربًا مُحَرَّمٌ، لا فرق في ذلك بين مايسمى بالقرض الاستهلاكيّ, ولا ما يسمى بالقرض الإنتاجيّ؛ لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.

2- كثير الربا وقليله محرم, لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلّا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.

3- أعمال المصارف من الحسابات الجارية وصرف الشيكات

_______

1 البقرة 278, 279.

2 أل عمران 130.

3 المؤتمر الثاني المنعقد فيالقاهرة عام1965.





***********


وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التجار والمصارف في الداخل, كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.

4- الحسابات ذات الأجل, وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة, كلها من المعاملات الربوية, وهي محرمة.

5- أما المعاملات المصرفية المتعلقة بالكمبيالات الخارجية, فقد أجل النظر فيها إلى أن يتم بحثها.

6- ولما كان للنظام المصرفيّ أثر واضح في النشاط الاقتصادي المعاصر، ولما كانالإسلام حريصًا على الاحتفاظ بالنافع من كل مستحدث, مع اتقاء أوزاره وآثامه, فإن مجمع البحوث الإسلامية بصدد درس بديل إسلاميّ للنظام المصرفيّ الحالي, ويدعو علماء المسلمين, ورجال المال والاقتصاد, إلى أن يتقدموا بمقترحاتهم في هذا الصدد1.

وفي مؤتمر الفقه الإسلاميّ المنعقد بالرياض, ذي القعدة سنة 1396, 2 أصدر في صدد الفائدة ما يلي:

- العمل على إلغاء المعاملات الربوية, ومنها الفوائد المحددة؛ لأنها ربًا صريح, وهي ضارة بالنشاط الاقتصاديّ؛ حيث لا يتم التوازن الاقتصاديّ إلّا بإلغائها.

- التوسع في إنشاء مؤسسات مصرفية غير ربوية, ودعم القائم منها، والعمل على تشجيع بقية المؤسسات المصرفية العاملة في البلاد الإسلامية على تطوير نظمها بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
___________
1 من كتاب المؤتمر الثاني للبحوث الإسلامية.

2أكتوبر1976.





********

النظام السياسيّ الإسلاميّ:

لا ينتظرن أحد أن نقدم له منهجًا مفصلًا لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ, فذاك لا يمكن قبل أن تقوم دولةالإسلام، ولا ينتظرن أحد أن نقدم صورًا من التاريخ الإسلاميّ, فذاك موضع دراسة أخرى.
إنما نقدم -بمشيئة الله- تخطيطًا لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ, يحوى خطوطه الرئيسية التي لا يصح -إن تخلفت كلها أو بعضها- أن يقال عن نظامٍ ما, أنه نظام إسلاميٌّ.
ونحن في هذا -بإذن الله -نقدم شيئًا بدون دليل, وفي اعتقادنا, أنه يلزم لنظام سياسيٍّ إسلاميٍّ ثلاثة خطوط:


أولها: شرعية الإسلام تظله.


ثانيها: أمة تحمله.

ثالثها: سلطة تحميه.

ونتناول كلًّا بكلمة:

أولًا: الشرعية الإسلامية


قد يظن أن هذا اللفظ مستعار من أنظمة أجنبية, لكن المتأمل يجد أنه في الأصل لفظ إسلاميّ من ناحية اشتقاقه, ثم من ناحية دلالته؛ فنحن أسبق من غيرنا إلى الشرعية، وأرسخ قدمًا والحمد لله, فالشرعية اشتقاق من فعل شرع, وبين الشرعية والشريعة جناس كامل من ناحية اللفظ, وكذلك من ناحية المعنى.
ففي فقهالإسلام لا شرعية بغير شريعة {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} 1, {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}
الجاثية 18.
وحتى تظل الشرعية الإسلامية نظامًا ما لابد من ثلاثة شروط:

أولها: أن يكون لله الشرع ابتداءً

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
الشورى 13


وألّا يشاركه هذا السلطان أحدٌ من البشر, وإلّا كان الشرك والكفر {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} الشورى 21.

ورَدُّ الشرع إلى الله ابتداءً لا يعني الجمود عن الاجتهاد فيما سكت عنه الشرع رحمة بنا غير نسيان، أو فيما جاء ظنيّ الدلالة، وذاك أمر الله إلينا {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء 83.

والاجتهاد, وإن لم يكن شرعًا ابتداءً, إلّا أنه شرع ابتناءً لا ابتداءً, أي: استمدادًا من شرع الله, واستنباطًا منه, ومن ثَمَّ, ففي ظل دائرة الاجتهاد نحن كذلك في ظلال الشرعية الإسلامية.

الشرط الثاني: أن تكون شريعة الله هي العليا

وشريعة الله لا تكون عليا إلّا حين لا تكون معها شريعة أخرى, ولا تكون فوقها شريعة أخرى, وليست الشريعة -كما أشرنا من قبل- قاصرةً على مجال الأحكام, وإنما تمتد إلى كل المجالات, وتشمل جميع الأنشطة.

ولقد حرص الكتاب على التنويه بجعل شريعة الله هي العليا في أكثر من موضع, فقوله تعالى: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} التوبة 40 . 

تعني: أن تكون شريعة الله هي العليا؛ لأن لفظ "كلمة" اسم جامع لكلمات الله, وبكلماته نزلت شريعته.

وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا, فهو في سبيل الله" 5 تعني: نفس الشيء.
                                                                          رواه الستة.

وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .الحجرات 1

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} الحجرات 1-2.

الآية الأولى تعني: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله, أي: لا يمكن لكم رأي ولا شرع ولا نظام فوق شرع الله ورسوله, وهو ما عنيناه بأن تكون شريعة الله هي العليا.

أما الثانية: فهي تحرم رفع الصوت فوق صوت النبيّ, وليس من المعقول أن يحرم رفع الصوت ماديًّا فوق صوت النبيِّ, ويجوز رفعه معنويًّا بجعل شرع أو رأيٍ فوق شرع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم, بل يمكن أن نقول: إن صوت النبيِّ هو الشرع {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم 3، 4.

ولقد يكون هذا الشرط غريبًا على من قبلوا تطبيق شريعة الله, لكن يبدو لازمًا بالنسبة لقومٍ نصوا في بعض دساتيرهم على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسيّ؛ فأجازوا بذلك أن تكون معها شرائع أخرى, أو آخرون جعلوا الشريعة الإسلامية مصدرًا ثالثًا بعد التشريع الوضعيّ والعرف, فجعلوا فوق شريعة الله شرائع أخرى, كذلك بالنسبة لمن يطبقون, فقد يجعلون مع شريعة الله شرائع أخرى في بعض المجالات التي يظنون أن الشريعة سكتت عنها, وفي الحقيقة أنها لم تسكت، مثل النظم المصرفية, وكثير من النظم الاقتصادية والاجتماعية, بل والسياسية!

من هنا كان لابد من التنويه بهذا الشرط لنقول: إنه إذا لم تكن شريعة الله هي العليا, لا شريعة معها, ولا شريعة فوقها, فإنه لا شرعية للنظام الذي يزعم لنفسه أنه إسلاميّ.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
zaara
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 6994

مُساهمةموضوع: رد: أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي   17.08.14 11:09


الشرط الثالث- أن تطبق شريعة الله شاملةً غير مجزأة:

وشريعة الله شاملة العقيدة والأخلاق، وشاملة الشعائر والمعاملات

وهي بهذا الشمول لا تقبل التجزئة: فطرة:

لأنها بناء متكامل يشد بعضه بعضًا، وبتر بعض الشريعة كهدم بعض البناء, إن لم يؤد إلى هدمه كله, فعلى الأقل يعجزه عن أداء وظيفته كاملة.

أو هي شفاء متكامل، وترك بعض الدواء بؤدي إلى عدم الشفاء, إن لم يؤد إلى تفاقم المرض.

وهي لا تقبل التجزئة شرعًا؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- جعلالإسلام هو هذه الشريعة المتكاملة, وبتر جزء, أو استبدال غيره به, لا نستطيع معه أن نقول إنه هو الإسلام الذي رضيه لنا الله!

فضلًا عن أن الله سبحانه حذَّرَنَا هذه الفتنة, فقال: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} المائدة 49.

وعقَّب على هذه التجزئة بقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} المائدة  50


فالذي يأخذ كل نظامه من عند غير الله؛ كالذي يأخذ بعض نظامه من عند غير الله, قد رضي حكم الجاهلية, وأعرض عن حكم الله.


وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من حالت شفاعته دون حَدٍّ من حدود الله, فقد ضاد الله في حكمه "3 فجعل تعطيل حَدِّ واحدٍ من حدود الله, مضادة لله في حكمه، ومحادة له في أمره, فكيف بمن عطل أكثر من حَدٍّ، ومنع أكثر من حكم؟

وهكذا كانت تجزئة شريعة الله فتنةً.

وجاهلية, ومحادة لله ورسوله, ومن ثَمَّ كانت مرفوضة غير مقبولة.

وهكذا تكتمل للشريعة شروطها, إذا كان لله الشرع ابتداءً, إذا كانت شريعة الله هي العليا, إذا طبقت شاملة غير مجزأة.

قَدِمَ سليمان بن عبد الملك المدينة فأرسل إلى أبي حازم, فكان مما قاله سليمان:

- يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟

- لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب..

- فقال: يا أبا حازم: كيف القدوم على الله؟

- قال يا أمير المؤمنين: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء، فكالآبق يقدم على مولاه.

فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما لي عند الله؟

-قال أبو حازم: أعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} .

-فقال سليمان: فأين رحمة الله؟

قال: قريب من المحسنين..

- ثم سأله بعد ذلك؟ ما تقول فيما لحن فيه؟

- قال أو تعفيني؟

ثم قال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين, ولا رضًى منهم1.

1 تفصيل ذلك في تفسير القرطبي.

وقيام الشرعية الإسلامية على هذاالنحو، أو تطبيق الشريعة الإسلامية بهذه الشروط, يستتبع ويستلزم للنظام الإسلاميّ أن توجد أمة تحمله, وأن توجد سلطة تحميه, ولهذا وتلك من السمات والشروط ما يحتاج لشيء من التفصيل.

ثانيًا- أمة تحمل الحق
{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
الأعراف 181

وهذه الأمة التي جعل الله لها الخيرية على سائر الأمم, جعلها بحقها وشروطها, وهي إن قامت فيها هذه الشروط كتب الله لها الخلود, ولقد بقيت الأمة الإسلامية رغم المحن والأزمات، ورغم تقلبات الحكم والحاكم, بقيت -بحمد الله- حافظة لكتاب الله, محفوظة بعناية الله, حتى لقد صح ما قاله أحد الأئمة من أن العصمة فيالإسلام للأمة لا للإمام، وصحَّ ما نقوله: من أن الأمة الإسلامية كانت بعد الكتاب العزيز من أكبر آيات الله العزيز الحميد.

فلو أن أمة أخرى تعرضت لما تعرضت له الأمة الإسلامية؛ من كيد وبطش وعسف, لما كان لها اليوم وجود.

وإن الأمة التي أخرجت أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وعمر بن عبد العزيز من الحكام، وأخرجت من العلماءالعاملين: أبا حنيفة ومالكًا والشافعيَّ وأحمد بن حنبل, ومن بعدهم الذين {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
 الأحزاب 22

وحج الرشيد عامًا فلقيه عبد الله العمريّ في الطواف, فقال: يا هارون, قال: لبيك يا عم، قال: كم ترى هنا من الخلق لا يحصيهم إلّا الله, قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت واحد تسأل عنهم كلهم, فانظر كيف تكون, فبكي هارون وجلس, فجعلوا يعطونه منديلًا للدموع, ثم قال له: إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه, فكيف بمن أسرع في مال المسلمين3.


3 سراج الملوك, للعلامة أبي بكر محمد بن الوليد, طبعة سنة 1311, وهامش مقدمة ابن خلدون .

والأمة الإسلامية, وإن كانت اليوم تبدو مفككة ضعيفة, فإنها تحمل عناصر الابتعاث, وهي في ابتعاثها لا تحتاج إلى وقت طويل! وقد أدرك ذلك بعض المستشرقون فقاله وحذر منه.

ونحن بحاجة في هذه العجالة, أن نشير إلى سمات هذه الأمة, وتكملها أخرى أشرنا إليها في مكان آخر.

فهي أولًا: آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر

ولا يمكن أن تأمر بمعروف ولا تأتيه، أو أن تنهى عن منكر وتأتيه، ففاقد الشيء لا يعطيه, فأمرها ونهيها يعني: أنها تقيم هذا المعروف, وتلفظ ذلك المنكر , وكل ما أمر به الله ورسوله معروف, بل هو أعرف المعروف, وكل ما نهى عنه الله ورسوله منكر, بل هوأنكر المنكر.

وهي ثانيًا: تؤمن بالله

وإيمانها بالله يعني: أنها تقوم على التوحيد, ولا تقارب بين توحيد وتثليث, ولا تقارب يبن توحيد وشرك, ولا تقارب بين توحيد وغيره من العقائد الفاسدة.

وهي ثالثًا: تقوم مع التوحيد على الوحدة

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
الأنبياء 92

وهذه الجنسيات، وهذه الحدود دخيلة عليها, ليست من أمر الله في شيء, والأمة الواحدة هي التي انتصرت من قبل, ولقد رفض الله -صلى الله عليه وسلم- عصبية الجاهلية, وقال: دعوها فإنها منتنة، ورفض المناداة بالعصبية بين الأنصار والمهاجرين.

حين نادى أحدهم: يا للأنصار, ونادى آخر: يا للمهاجرين, فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غضبًا شديدًا, وقال: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟

ونزل الكتاب العزيز يؤكد قول الرسول الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ}
 آل عمران 100، 101


 وهكذا كانت الفرقة والجنسيات والحدود جاهليةً أو كفرًا, وكانت الوحدة أخت الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} آل عمران 102، 103.

وامتدح الرباط الذي وحد الأمة في كتابه، فقال عن المهاجرين: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
 الحشر 8

وقال عن الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} 
الحشر 9.

وهكذا قامت دولةالإسلام الأولى, تضم كل من قال: لا إله إلّا الله, بغير تفرقة لوطن, أو جنس, وبغير اعتراف بحدودٍ أو جنسية؟

وهكذا ينبغي أن نقوم مرة أخرى!

ثالثًا- سلطة تحمي الحق
قلنا: لابد من أمة تحمل الحق, والسلطة تحمي الحق

هذه السلطة لابد لها من أمرين تقوم بهما:

1-إقامتها شريعة الله:

وهذه أساس شرعيتها الأولى.


وبغيره تغدو سلطة غير شرعية يجب جهادها, وإقامتها شريعة الله لابد أن يكون على النحو الذي أشرنا إليه.

2-قيامها على رضى المسلمين بها:

والأدلة على ذلك كثيرة, نذكر منها:

أ- أن الرضى أساس المعاملات فيالإسلام {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ
النساء 29.

والإمامة أو الخلافة عقد بين الخليفة والرعية يلزم له الرضى.

ب- أن الرضى لازم لصحة الإمامة الصغرى: إمامة الصلاة, فوجب الرضى من باب أولى لصحة الإمامة الكبرى:

إمامة المسلمين.

ج-لقول الله سبحانه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
 النساء 59
 فدلت الآية في الطاعة على الشرط الأول, وهو إقامة شريعة الله، ودلت بلفظ "منكم" على الشرط الثاني: وهو الرضى, فإنهم لا يكونون منا بغير رضًا منا.

د- لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم, قد حرص على غرس هذا الأصل في المجال السياسيّ بما فعله ببيعة العقبة الأولى والثانية, مع أنه رسول الله, وما كان بحاجة إلى رضى الناس؛ لكنه حرص حين مهد لإقامة الدولة أن تكون إمامته ورئاسته لهذه الدولة برضى من المسلمين.

هـ- ثم ما فعله حين ترك تعيين خليفة من بعده؛ ليتم اختياره برضى المسلمين, الأمر الذي حرص عليه الخلفاء الراشدون من بعده على تفصيل ليس هنا محله.

و لقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه: "فمن بايع رجلًا من غير مشورةٍ من المسلمين, فإنه لا بيعة له, ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلَا".

ز- وهذا ما طبقه عمر بن عبد العزيز حفيد عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما, حين ولي أمر المسلمين فقال: "أيها الناس, لقد ابتليت بهذا



الأمر من غير رضًا مني, ولا مشورة من المسلمين, وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعةٍ, فاختاروا لأنفسكم".

فأعاد بذلك تصحيح الوضع إلى ما كان عليه في عهد الراشدين, فلذا قامت السلطة على شريعة الله, ثم على رضى المسلمين, فلا يهم الشكل بعد ذلك:

لا يهم أن نسميها خلافة, أو أن نسميها إمامة, أو نسميها إمارة, أو غير ذلك من الأسماء, ما دام قد توافر لها هذان الركنان الأساسيان, فإن انهار أحدهما انهارت الشرعية التي تستند إليها السلطة, وفي الأمر تفصيل ليس محله هذا المقام1.

1 راجع في تفصيل ذلك نظرية الخروج, المشروعية الإسلامية العليا: للدكتور على جريشة.

وبعد:

فتلك شريعة الله, البذرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها, وهي كما أشرنا في أكثر من موضع لا تقبل التجزئة.
وواجب الدولة بالنسبة لكل جوانبها واجب مزدوج؛ فهو إيجابيّ من ناحية, يرعى ويصون ويوجه ويدافع بالكلمة، والصورة، والسيف!
وهو سلبيّ من ناحية أخرى, يمنع ويحول دون أن يخدش عقيدةً، أو خلقًا، أو شعائرَ, أو نسكًا, بالكلمة المنشورة أو المنظورة, وبالتربية في المدارس والبيوت وبالحدود، والقصاص، والتعزير!

وهو تعريف الخلافة، وتعريف كل حكم شرعيّ، أو يريد لنفسه الشرعية!

ومن ثَمَّ:
فعلمانيةالقانون.. عدوان على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية التعليم.. عدوان على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية الإعلام.. عدوان على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية المجتمع.. بعلمانية تقاليده، وخلقه، وعاداته.. عدوان على الشرعية الإسلامية.

وعلمانيةالاقتصاد.. بقيامه على الربا, أو افتقاره لخصائصه الرئيسية.. عدوان كذلك على الشرعية الإسلامية.

وعلمانية الحكم..بقيامه على غير الشرعية، أو على غير رضى الناس.. عدوان صارخ على الشرعية الإسلامية.

تمامًا.. كما لا يقبل من الفرد أن يصلي ويترك الزكاة.

وكما لا يقبل منه أن يصوم, ويقول الزور أو يعمل به.

وكما لا يقبل منه أن يحج, ويرفث أو يفسق.

وكما لا يقبل منه أن يفعل ذلك كله, ثم يتركالجهاد, ذروة سنامالإسلام, أو يجاهد, ثم يستبيح لنفسه ما نهى عنهالإسلام؛ من كذب، أو خلف، أو خديعة، أو خيانة, إنها لكبيرة ممن وضع نفسه هذا الموضع.

كذلك هي كبيرةٌ ممن رفعوا شعارات الإيمان أوالإسلام, ثم أعرضوا عن حكم الله فيالاقتصاد, أو فيالسياسة, أو في الاجتماع, أو في العقيدة, أو في الأخلاق!

ويبقى -كيف لنا- أن نعود إلى تحكيم الشريعة كلها, كما كانت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته, ومن تبعهم بإحسان؟
والرد..

رسول الله بدأ من القاعدة, لكنه لم يغفل القمة؛ فكان تركيزه على الضعفاء والمساكين، وكانت رسله وكتبه إلى الملوك, ونحن كثيرًا ما بدأنا من القاعدة, وركزنا عليها, وتركنا القمة ليستعملها غيرنا في حربنا, وقامت أمامنا الصعاب في القاعدة.

فنحن نبني, وغيرنا يهدم؛ إذاعةً، تليفزيون، سينما، صحافة، رأي عام, وحرب القمم لنا -حرب مجردة من المبادئ والقيم الإنسانية التي كان يعرفها العرب في جاهليتهم، والتي دفعتهم أن يفكوا الحصار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم, والذين معه, بعد ما ظنوا فيه ثلاث سنين، ودفعت أمثال أبي سفيان أن يشهد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمَّا سئل عنه, وأمثال عتبة أن يشهد للقرآن شهادة حق..

فهل لنا أن نصبر على القاعدة حتى تخلص لنا قاعدة صلبة الإيمان, قوية اليقين؟

وهل لنا أن نبحث عن قمة عاقلة, تسمح لنا بالبناء دون أن تهدم, ودون أن تحارب من يبني, ولها ألّا تنازع الملك والسلطة؟

إن قناعة عريضة مؤمنة, وقمة عاقلة متبصرة, هي أملالإسلام القريب, والله المستعان..
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين

أما بعد
فهذه الكلمات.. نسطرها في المذاهب الفكرية المعاصرة.. لتكون زادًا لطلاب الشريعة والدعوة.. بل زادًا لكل صاحب دعوة.

وليس الحديث عن المذاهب الفكرية المعاصرة سهلًا.. إن العصر يموج بنظريات ومبادئ تتنازع وتتصارع، وإنَّ حروب السلاح إِنْ هدأ أوارها، أو وضعت أوزارها, فلقد حلَّت محلها حروب الأفكار والعقائد..

- فالغرب يرفع راية العلمانية التي حبست الدين بين جدران الكنائس، وأبت عليه أن يكون له خارجها سلطان.

يرفع في مجال الاقتصاد مبادئ الرأسمالية.

ويرف في مجالالسياسة مبادئالديمقراطية.

ويغزو المجتمع الإسلاميّ بقيمه الجديدة؛ ليبتعد به عن قيمالإسلام ومُثُلِه, وفيها عزته وسعادته.

- والشرق الشيوعي يرفع راية الاشتراكية "العلمية" أوالشيوعية، يضلل بها الطبقات الساذجة، ويمنيها بأن الحكم "للصعاليك" أوطبقة البروليتاريا -كما يسمونها- ويمارس ضلاله وتضليله في الشرق الإسلاميّ..

ويصطدم بعقيدته.. فيطور أسلوب دعوته, أو "تكتيكها".. ليخدع جماهير المسلمين.

- ووسط قيم الغرب الفاسدة، وتضليل الشرق الكافر.. تعيش جماهير المسلمين بعد ما أصابها من تَخَلُّفٍ.. وبعدٍ عن منهج

الله ... تعيش أكثرها بين التمزق والضياع وافتقاد القيادة الراشدة، تتلمس النور وسط السراب, وتتحسس الطريق وسط الظلام، وماهي ببالغته حتى تعرف ما هو النور.. وما هو الطريق فتهتدي وتسلك.. وتسير على الدرب حتى النجاة.

وفي بابٍ تمهيديّ: نتحدث -بمشيئة الله- عن الواقع الأليم الذي تعيشه أمةالإسلام بين التخلف والتمزق

وأسباب ذلك..

وفي الباب الأول: نتحدث عما يجمع الغرب والشرق، ثم عمّا يمارسه الغرب المسيحيّ في الشرق الإسلاميّ.. قديمه وحديثه.

وفي الباب الثاني: نتحدث عن الغزو الماركسيّ لبلادالإسلام.. أساسه من المبادئ وزيف هذه المبادئ، ثم مايفعلونه بالمسلمين في بلادهم، وما يحاولونه خارجها, كاشفين عن أسلوبهم وتكتيكهم الجديد.

وفي الباب الثالث: نتحدث عن الصهيونية أو "اليهودية العالمية" ومخططاتها, وجميعاتها السرية لتخريب العالم..

وفي الباب الرابع: نشير إلى رد الفعل لغزو الشرق والغرب لبلاد المسلمين, والحركات الإسلامية التي قامت مناهضةً لذلك للغزو، وما فيها من قصور، ثم نحاول أن نتبين النور والطريق ...

والله المستعان وعليه التكلان.
ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليِّ العظيم.
باب تمهيدي
واقعٌ أليم الواقع أليمٌ ينطق بتخلُّفِ الأمة الإسلامية, ولم تكن كذلك
لقد عاشت أكثر من ألف سنة في مقدمة الأمم, بل لقد عاشت فترةً طويلةً هي الأمة الأولى في العالم كله, يعمل لها ألف حساب، ويطلب ودها، ويسعى أمثال إمبراطور ألمانيا للتقرب من خليفتها؛ فيرسل له الهدايا.. وحملت في خلال هذه الفترة حضارةالإسلام للدنيا كلها, حملتها بالعلم والخلق قبل أن تحمل السيف في وجه أعداءالإسلام، ولم تكره على عقيدتها أحدًا, فإن القرآن علمها أن {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين} ، وإنما دخل الناس في دين الله أفواجًا لمًّا رأوا صفاء العقيدة وسموها، ولما شاهدوا جمال الخلق ورفعته, فأحسوا أن هذا الدين ينشء نشأً جديدًا, يخرجهم من "عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن جور الأديان إلى عدلالإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والأخرة".

وما عرفه الغرب من تقدمٍ, كان نتيجة احتكاكه بالشرق الإسلاميّ.

إن نقطة البدء في ذلك التقدم كانت حركة الإصلاح الدينيّ؛ حيث ثار الناس على ظلم الكنيسة واضطهادها، وثاروا على كثير من مفاهيمها المعقدة, بعدما رأوا صفاء العقيدة الإسلامية ويسرها، وسماحةالإسلام وسمو خلقه.. ثم كانت بذور النهضة الأوروبية العلمية أخذًا عن علماء المسلمين الذين تعلم الغربيون على أيديهم في جزر البحر الأبيض، وفي الأندلس، ومن قبل ذلك احتكوا بهم إبان الحروب الصليبية.

وإذا بدأ الغرب في نهضته.. بدأ الشرق الإسلاميّ في كبوته.

وكان لذلك أسباب عديدة, بعضها من أنفسنا، وبعضها خارجٌ عن إرادتنا.

أسباب من أنفسنا
{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} الشورى 30.

تلك سنة الله في أرضه، وحكمه بين خلقه, لا يخفض قومًا بعد إذ رفعهم إلّا بما كسبت أيديهم، ولا يغيِّرُ بعد ذلك ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

وهو ما حدث بالأمة الإسلامية حين داخلها شيء من الغرور أن الله اختارها ولن يستبدل بها, ونسيت أن الاختيار مؤسس على أسبابه.

{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وتحت هذه الشعب الثلاث يندرجالإسلام كله.

أ- إن أول ما أصاب الأمة الإسلامية بُعْدُهَا عن كتاب ربها وسنة رسولها, ومحاولة الأخذ من غير هذين النبعين الصافيين الأصليين، خاصةً بعد ما أوتي الغرب شيئًا من التفوق الحضاريّ على أساس ماديّ.
ب- وصحب ذلك انهزام داخليّ, أصاب شعور الأمة أو بعضها, فعدلت ما عند الناس بما عند الله, إن لم يداخلها الوسواس أنه أفضل.
ج- وصحب ذلك التقليدُ والمحاكاةُ.. ولم تكن تلك صفة الأمة الإسلامية, بل ليست هذه صفة الأمم الأصيلة.
إنها صفة القردة.. أن كانوا حيوانات.. أو كانوا ممن غضب الله عليهم ولعنهم, وجعل منهم القردة وعبدة الطاغوت.
د- ولازم ذلك كله الفرقة.تفككت الدولة الواحدة وأصبحت دويلات، وتصارع الحكام على الدنيا، وأحلوا قومهم دار البوار..
والفرقة دائمًا فرصة العدو للنفاذ.. إن الصف المتلاحم المتلاصق لا يستطيع عدوٌّ أن يخترقه, أما الصف المضطرب المختلف الممزق فاختراقه سهل ويسير, والحزمة الواحدة قوية قد تستعصي على الكسر, أما العيدان المتفرقة فكسرها سهل يسير.
هـ- وأعقب ذلك كله تخلف عن مواكبة العصر فيما وصل إليه من أبحاث علمية تجريبية, وما فرض من إغلاق باب الاجتهاد, فينقلوا الغثَّ مع السمين, بل ينقلون الغثَّ أكثر مما ينقلون السمين، وهكذا رأينا ثمار البعثات الخارجية, أخذًا بقشور المدنية الغربية وفسادها, دون أخذ لبابها.
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ لَوْ آمَنَ أَهْلُالْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ آل عمران 110.
2 انظر كيف تفككت الأمة الإسلامية الواحدة إلى دولة المغول الإسلامية في الهند, ودولة فارس، والدولة العثمانية، ودولة المماليك فيمصر.

وانظر كيف هي الآن أشد تفككًا, وكيف تقوم فيها دول هي بالنسبة للأخرى بمثابة أحياء في مدينة.

أما الأسباب الخارجة عن أنفسنا
فهي التي فرضها أعداءالإسلام على المسلمين, وكانت نتيجةً لتخطيط أثيمٍ بدأ منذ الحروب الصليبية, وانتهى إلى الحرب الضارية التي تمارس الآن على العالم الإسلاميّ، ولكن بأسلوب جديد, وهو موضوع هذه الدراسة بإذن الله.

وقبل أن نغادر هذا الباب للحديث عن غزوة المسلمين, نشير إلى أنه رغم الضراوة الشديدة التي يمارسها أعداءالإسلام, فلا يزال الحلُّ بأيدينا..لا يزال بأيدينا النور..ولا يزال أمامنا الطريق..وبعد ذلك, فلقد خص الله هذه الأمة فجعلها قلب العالم كلِّه من كل ناحية.

- من ناحية المكان: هي مركز الدائرة بالنسبة للعالم كله، وهو ما يجعل لها مركزًا استراتيجيًّا خطيرًا لا يتوفر لأية أمة أخرى1.

- من ناحية الثروات: فلقد جمع الله فيها أنواع الثروات الأرضية بما يحقق اكتفاءً ذاتيًّا، وبما يحقق حاجة العالم كله إليها.

وليس الأمر قاصرًا على البترول, وتكفي هذه الإشارة.

- من ناحية الخامة البشرية: فإن الدراسة المنصفة للطبيعة البشرية وخصائصها, تجعل لهذه الأمة من الخصائص البشرية ما ليس لأمة أخرى, وبذلك تتحقق الوسطية لهذه الأمة على اختلاف وجوهها.

وصدق الله العظيم

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
 البقرة 143.

وقبل ذلك, وبعد ذلك, ما قلناه من نور, ومن طريق, وهو ما نشير إليه -بمشيئة الله- في نهاية البحث كله.

1 سجَّل الدكتورحسين كمال الدين, الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة الرياض, في بحث علميٍّ هامٍّ أن الكعبة المشرفة هي المركز لدائرة العالم كله؛ بحيث لو أردنا رسم دائرةٍ للعالم لكان لزامًا وضع السن على الكعبة المشرفة؛ ليمكن رسم هذه الدائرة.

"البحث قُدِّمَ لمؤتمر الفقه الإسلاميّ المنعقد بالرياض في ذي القعدة 1396".


توطئة
تقوم الحضارة الغربية الحديثة على أساسٍ من فكر فلسفيٍّ أرسى قواعده أمثال: ديكارت, صاحب منهج البحث الاستنباطي، وفرنسيس بيكون، صاحب المنهج التجريبيّ، وكومت، مؤسس المذهب الوضعي, وهو في جملته فكر ماديّ, نتج عنه بعد ذلك في أمريكا مذهب البراجماتزم أو المذهب العلمي، وهو الذي ساد الفكر الأميريكيّ منذ القرن الماضي.

وتقوم الماركسية كذلك على أساسٍ من فكرٍ ماديٍّ يعطي المادة كل شيء, ويفسر التاريخ على أساس منها, وقد أخذ كارل ماركس عن غيره من فلاسفة الغرب -كما سنشير بتفصيل في موضعه بإذن الله.

ولئن بقي في الغرب أثارة من دين وسط التيار الماديّ العارم, فإنها "غلالة" رقيقة لا نحسب أنها ستصمد طويلًا, ودليل ذلك إحصائيات كثيرة, ودليلة كذلك لجوء رجال الدين في الولايات المتحدة من أجل ترويج بضاعتهم إلى وسائل لا تتفق أبدًا مع الدين, وهو ما يحدث من دعوتهم الشباب من الجنسين عقب الصلوات إلى حفلات راقصة, تخفت فيها الأنوار, وتتلاصق الأجساد، وتنطلق الأنغام خافتة حالمة, توقظ الرغبة وتشعل الشهوة.

وبقايا الحمية الدينية عندهم لم تعد تظهر إزاء الانحرافات الخطيرة الواقعة في مجتمعاتهم, والتي تهدد مجتمعهم نفسه بالتصدع والسقوط, وإنما تظهر فقط إزاء الأديان الأخرى, وبالتحديد إزاء كل تجمع إسلاميٍّ يبغي إعادة مجدالإسلام -كما سنبينه من خلال هذا البحث.

وقيام الشرق والغرب رغم اختلافهما الظاهر على أساسٍ فكريٍّ واحد1 أمر يستلفت النظر, ويوحي بالتساؤل, تمامًا كما تشهد في طريقك بناءين مقامين على تصميمٍ هندسيٍّ واحد؛ فتشهد أن المصمم واحد, أو أنهما خريجا مدرسة واحدة, وكما نشهد خلق الله, فنجد من كل زوجين اثنين؛ الإنسان فيه الذكر والأنثى.

1 التفكير الماديّ العلميّ ينقسم إلى اتجاهين:

- الاتجاه الميكانيكي: وهو اتجاه ماديّ لا يرى وجودًا للروح أو العقل, فضلًا عن أن ينسب إليهما تدبير الجسم.

- الاتجاه الماديّ الديالكتيكي : ويرى أن وجود الروح والعقل نابع لوجود المادة، والاتجاهان بذلك ينكران الغيب أو يستبعدانه.

للدكتور البهيّ, الفكر الإسلاميّ الحديث وصلته بالاستعمار الغربيّ.

الحيوان فيه الذكر والأنثى.

النبات فيه الذكر والانثى.

الجماد فيه الموجب والسالب, كما في الكهرباء, والمغناطيس, والذرة.

فنخرج من هذا, أن الخالق الصانع, واحد -سبحانه وتعالى.

قيام المعسكرين المتنازعين على أساس فكريٍّ واحد, أمر يستلفت نفس النظر, ويوحي نفس التساؤل, وننظر فنجد كارل ماركس من أصل يهوديّ1, ونجد الثورة البلشفية قد مُولَت بأموال يهودية2.

ونجد كثيرًا من القيادات الشيوعية يهودية الأصل3.

ونجد الشعار الشيوعيّ هو الأفعى الرمزية, وهي رمز للأمة اليهودية، وبداخلها النجمة السداسية, وهي شعار اليهود كذلك4.

وننظر إلى الغرب, فنجد فكرة فصل الدين عن الدولة من عمل اليهود5, ونجد الحروب الصليبية6 وبعض الحروب العالمية من عملهم كذلك7.

وتجد بصماتهم في وعد بلفور، وفي الإعداد لدولة إسرائيل، وفي الاعتراف بدولة إسرائيل، والتدخل لمساعدتها.

كما نجد هذه البصمات في مثل: جون كنيدي، وفي عزل نيكسون -وهما من رؤساء الولايات المتحدة السبابقين، وفي بعض الأحداث في المنطقة الإسلامية والعربية.

ونعود إلى الأساس الذي بُنِيَ عليه الفكر الغربيّ والماركسيّ "المادة" فنجد التشابه بينه وبين ما يؤمن به اليهود, وكل إناء بما فيه ينضح, إن القرآن وصفهم {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} 8 أي: حياة ولوكانت رخيصة؛ لأن للمادة ثقلها في نفوسهم وقلوبهم.

وانتشار الأساس الماديّ يؤدي إلى الصراع على المادة، ثم يؤدي إلى الانزلاق في الشهوات, وكلًّا من الأمرين من سياسة اليهود {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} 9.
______________
1 الشيوعية والإنسانية في شريعةالإسلام, للأستاذعباس محمود العقاد.

2، 3محمد خليفة التونسي "الخطر اليهودي" الطبعة الرابعة.

4 سرجي نيلوس "ترجمة البروتوكولات" المرجع السابق وما بعدها.

5، 6 وليام غاي كار "أحجار على رقعة الشطرنج" 13 تشرين1958م

7محمد خليفة التونسي, المرجع السابق.

8 البقرة 96.

9 سورة المائدة 64.



********

وما نود بعد ذلك أن نخوض في مدى سلامة البروتوكولات التي نشرها سرجي نيلوس لأول مرة في سنة1902, بعد أن وصلت إليه -كما ذكر- في سنة1901, فإنها من ناحية السند ضعيفة؛ إذ لم يعرف مصدرها الحقيقيّ حتى الآن1.

ولكن الأحداث التي جرت, والتي تجري, قد تؤكد صحتها وسلامة نسبتها, مما يشعر معه الإنسان أنه أمام ما قد يسمى بالحقائق المسلمة.

ووقوع الأحداث التي توقعها ناشرها بعد نشرها بفترات, أقلها خمسة عشر عامًا, وأطولها ما يقرب من الخمسين, يلقي ظلالًا على صحة هذه الوثائق, فقد تنبأ نيلوس أن يحاول اليهود الاستيلاء على السلطة في روسيا, وتَمَّ لهم ذلك بعدها بحوالي خمسة عشر عامًا, وتنبأ نيلوس أن تحاول الأفعى اقتحام الأستانة قبل أن تقوم دولة لليهود2.

وألغيت الخلافة الإسلامية في سنة 1343هـ, وكانت اليد الخفية تعمل في الظلام على تحطيمها.

وقامت دولة إسرائيل سنة1367هـ, واعترفت بها أمريكا, وأعقبتها روسيا في يوم واحد.

ومع ذلك كله, فيبقى احتمال وجود اليهود وراء الفكرين الغربيّ والشرقيّ من الناحية العلمية, مجرد احتمال, وإن كان احتمالًا راجحًا -لكنا نأخذه بحذر حتى لا نقع في "التهويل" كما لا ينبغي أن نقع في "التهوين" فكلاهما تطرف غير سليم, كلاهما إفراط وتفريط, وتبقى الاحتمالات الأخرى قائمة, وأن كانت مرجوحة, ومن بينها أن يكون الانتكاس قد أصاب الفطرة الإنسانية في الشرق والغرب في وقت واحد, فقامت

فلسفتهما وفكرهما على أساس أن:

"لا موجود إلّا المادة"3.

وهذا الأساس بغير إغراقٍ في الجانب الفلسفيّ ليس صحيحًا على إطلاقه؛ إذ لا شك بوجود أشياء غير المادة؛ فالفكر والفهم ليس أمرًا ماديًّا, وهو موجود, والمشاعر والعواطف ليست أمرًا ماديًّا, وهي موجودة.

والله -سبحانه وتعالى- ليس شيئًا ماديًّا, وهو -سبحانه وتعالى- موجود.

ولا يلزم للوجود أن تدركه الحواس بالبصر أو باللمس أو بالشم, كما يذهب أكثرهم, فإن الإدراك بالأثر أقوى وأشد، فأنت لا ترى

1 تعلمنا علوم السنة علمًا جليلًا, لم يصل إليه بعد علم الغرب, وهو علم الرجال, وما يتعلق بهم من جرح وتعديل، وهو علم دقيق بالغ الدقة, وتطبيق قواعده لمعرفة سند البروتوكولات إلى أبناء صهيون قد يؤدي -حتى الآن- إلى استبعادها, لكن الأحداث تؤيد وترجح صدق ما جاء فيها, أي: صدق نسبتها.

2 سرجي نيلوس, المرجع السابق .

3 الزميل الكبير الدكتورجعفر إدريس في محاضرة قيمة عن الماة, غير منشورة.

الكهرباء, ولكن تدرك أثرها وهو النور, وأنت لا ترى الروح, ولكن تدرك أثرها وهو الحياة, ثم إذاتدرجت مع الماديين وساءلتهم: من الذي أوجد المادة, فيستدرجون معك حتى يتدرج مثل: "دارون" إلىالخلية الأولى, ونقول له: من الذي أوجد الخلية الأولى؟ سيسكت بعضهم, وسيقول آخرون: المصادفة, أو الطبيعة, والساكتون أراحوا واستراحوا.

والقائلون بالمصادفة أو الطبيعة ندع فريقًا آخر يرد عليهم.

- إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة حادث اتفاقيٍّ شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة.

- لو جلس ستة من القرود على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين, فلا يستبعد أن نجد من بعض الأوراق التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، وكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة عمليات عمياء ظلت تدور في المادة لبلايين السنيين.

- ولو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه, فإن معنى ذلك أن يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحالة سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله, وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود الإله، ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيبًا, إلهًا غيبيًّا وماديًّا في آنٍ واحد, إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي وهو ليس بجزء من هذا الكون, بل هو حاكمه ومدبره, بدلًا من أن أتبنى هذه الخزعبلات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اعصار
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 27137

مُساهمةموضوع: رد: أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي   17.08.14 13:57

بارك الله فيك على الإضافة القيمة شكرا جزيلا


وردة رحــــمــــــــك الله أماه
   وأسكنك فسيح
    جنــــاتـــــه..
 وردة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.helpub.com
zaara
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 6994

مُساهمةموضوع: رد: أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي   17.08.14 14:22

شكرا لمرروك الذي عطر المكان
ونشر بشذاه أركان موضوعي
فبارك الله فيك  وردة 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1



صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الجزائريين والعرب :: الركن الإسلامي :: منوعات إسلامية
-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع