الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
الصحف الجزائرية algerianpress

************
************
************
************
************
************
************
***********
************
************

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 18 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 18 زائر :: 2 عناكب الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 3451 بتاريخ 21.04.15 12:57
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 الجزء الثاني من الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
اعصار
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 27242

مُساهمةموضوع: الجزء الثاني من الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول    11.06.11 16:46


فهذه
أربعة مواضع من مجموع اثني عشر موضعا للفعل نُفِخَ - يُنْفَخُ هي كل ما
جاء في القرآن الكريم في مشاهد القيامة الغيبية, وقد غاب لفظ الفاعل لعدم
تعلق الغرض به مثل إبراز الفاعل؛ ليتسلط الضوء على الناس وهم يأتون أفواجا,
ولكن في نُفِخَ انْصَبَّ الاهتمام على إبراز الحدث بهوله وشدة صوته التي
تكاد تسمعها الآذان, ومن الثابت علميا أن الصوت إذا علا وارتفع كان سببا في
إصابة الإنسان بالتوتر العصبي وسرعة الغضب والانفعال, فإذا زاد على حده
إلى درجة لم يعد يتحملها الإنسان, أصيب بالصمم, فإذا ظل في الارتفاع خرَّ
ميتًا! فالسمع له حدود " فلا تدرك الأذن من الأصوات إلا ما كانت ذبذباته في
المدى المسمى بالموجات الصوتية, بينما لا تشعر بموجات اللاسلكي ولا
الموجات فوق الصوتية, وحساسية الأذن أيضا محدودة لشدة الصوت, فلا تميز
الأصوات لوقلت شدتها عن 10120 وات/م2 بداية مقياس الديسيبل, ولا تتحمل
الأصوات التي تزيد شدتها عن 200 ديسيبل, ولو زادت لصعق الإنسان ومات على
الفور "
[22]

ومن
إعجاز القرآن الكريم إثبات تلك الحقيقة قرآنا يتلى منذ أكثر من أربعة عشر
قرنا, بل تنقلب تلك الصاعقة المميتة إلى ضدها, فتتحول تلك النفخة التي أفنت
الخلائق, إلي نفخة بعث وحياة!.


قال تعالى: {وَنُفِخَ
فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ
قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر68]
, ثُمَّ أدت إلى معنى التراخي الزمني
بين النفختين, وقوله تعالى: أُخْرَى دل على أن النفخ في الصور نفختان،
ويحدث التحول السريع المفاجئ عقب إرسال النفخ إلى الموتى؛ إلى القيام
والنظر كما دلت إِذَ الفجائية.


أما مشاهد المادة أو الواقع الملموس أو المحسوس, فاٍن الفعل نُفِخَ لم يأت إلا مبنيا للمعلوم, مثل قوله تعالى:
{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة9].


وقوله تعالى:
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا
فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ
وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم12].


وقوله تعالى: {
َرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ
رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ
الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران49].


وقوله تعالى: {آتُونِي
زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ
انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ
قِطْراً} [الكهف96].


فالنفخ
من روح الله لخلق آدم أو عيسي عليه السلام واقع بشري ملموس, تلمسه البشرية
منذ آدم عليه السلام إلي يوم القيامة؛ ليعيش الإنسان بروح الله دون أن
يدري لها سرًّا غير أن فاعلها – جل شأنه – متعين بالقدرة والوحدانية, ولذلك
جاءت الجملة اللغوية ناصعة التحديد في إبراز الفاعل، وفي آية آل عمران
والكهف نجد مشهد عيسي بن مريم – عليه السلام – وذي القرنين يفتقران إلى
وجود الفاعل وإبرازه محددا؛ لتجنب اللبس والغموض الذي يؤدي إلى فساد المعنى
واختلاط شخوص المشهد.


وقوله تعالى في مشهد القيامة: {إِذَا
زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ
رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا
أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة 1-6].


فالزلزلة
مشهد خفي غيبي, وقد جاءت في سياق بث الفزع والرجفة النفسية والتصدع
القبلي، ولم يأت في هذه السورة الكريمة فعل مبني للمجهول إلا زُلْزِلَتِ -
لِيُرَوْ فهذا الانقلاب الكوني يمثل الوجه الآخر للمشهد وهو مجسد في رؤية
الأعمال التي من أجلها انقلاب هذا الكون واختل نظامه، وإذا كانت إذ للوقت,
ومع ذلك قد صدرت بها السورة, فهي بمثابة الإجابة عن سؤال: " متي الساعة
فقال: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا}
كأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكن أعينه بحسب علاماته،
إن الله تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع
أنها في هذه الساعة جماد, فكأنه قيل: متي يكون ذلك؟ فقال: إذا زلزلت الأرض.
[23]

وفي
مشهد من مشاهد القيامة في سورة التكوير" الذي قال فيها رسول الله صلي الله
عليه وسلم: من سره أن ينظر إلي يوم قيامة كأنه رأي عين فليقرأ: " إذا
الشمس كورت " و" إذا السماء انفطرت " و" إذا السماء انشقت " "
[24] . قال تعالى: {إِذَا
الشَّمْسُ كُوِّرَت وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وَإِذَا الْجِبَالُ
سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْوَإِذَا
الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ
نُشِرَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}[التكوير1 – 14].


فالمشهد
هنا زاخر بالحركة العنيفة المنفلتة من سياقها ونظامها التي كانت تسير في
فلكه منذ أمد بعيد, اٍنه " مشهد انقلاب تام لكل معهود, وثورة شاملة لكل
موجود تشترك في الانقلاب والثورة الأجرام السماوية والأرضية, والوحوش
النافرة, والدواجن الأليفة, أو نفوس البشر, وأوضاع الأمور، ويبدأ المشهد
بحركة جائحة, وثورة ثائرة, وكأنما انطلقت من عقالها المردة المدمرة, فراحت
تقلب كل شئ، وتنثر كل شئ، تهييج الساكن, وترويع الآمن، والموسيقى المصاحبة
للمشهد سريعة الحركة, لاهثة الإيقاع, تشترك بإيقاعها السريع في تصوير
المشهد وتمثيله في الإحساس "
[25] .

وقد
مثل الفعل الذي لم يسم فاعله دورا بارزا في تصوير الحركة المجهولة في طي
الزمان, فالمشهد بدأ بفك الكون وتدميره من أعلى إلى أسفل، بالكائنات غير
العاقلة: الشمس, النجوم, الجبال, العشار, الوحوش, البحار, ثم الكائنات
العاقلة من النفوس والمؤودة, ثم رجوعها مره أخرى إلى الصحف التي تنشر
والسماء التي تكشط, وذلك من الكائنات غير العاقلة؛ ليعود المشهد إلى مظاهره
أو كائناته العليا كما بدأ, وكأنه مشهد يكور في دائرة انقلاب وانفلات
للنظام في سرعة فجائية صارمة مثلها البدء ب: إِذَ للزمان المفاجئ, ثم
تكرارها مع كل حدث مدمر، ومن الملاحظ أن كلمة البحار بالجمع لم تستخدم في
القرآن الكريم إلا للحديث عن يوم القيامة، يقول تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير6]. {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار3].


ونلاحظ تسلسل الآيتين في القرآن يتناسب مع المفهوم العلمي:

فأولا:
يكون الاشتعال ثم الانفجار وليس العكس, فجاء تسلسل الآيتين أولا سُجِّرَتْ
وثانيا فُجِّرَتْ, وهذا مطابق للحقائق العلمية الحديثة.
[26]

وإذا
نظرنا إلي هذا المشهد بكائناته وجزئياته, نجد أن التعبير بالفعل الذي لم
يسم فاعله هو الأسلوب السائر في كل المشهد عدا جزئية واحدة فقط هي صورة
انصباب النجوم وتنافرها وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وقد جاء التعبير عن
هذا المشهد بالفعل المبني للمعلوم! ولعل السر في ذلك أن النجوم في مراحل
انكدارها تمر بمراحل من الميلاد والشباب والشيخوخة قبل أن تنفجر أو تتكدس
على ذاتها فتطمس طمسا كاملا: النجوم الابتدائية ثم العادية ثم العماليق
الحمر ثم السدم الكوكبية ثم الأقزام البيض ثم فوق مستعر من الطراز الأول ثم
الثاني ثم النجوم النيترونية النابضة وغير النابضة والثقوب السوداء
والنجوم المفردة والمزدوجة والمتعددة، والنجوم أفران كونية يتم في داخلها
سلاسل من التفاعلات النووية التي تعرف باسم عملية الاندماج النووي.
[27]

فيتضح
مما سبق أن النجوم تنفرد بخاصية هائلة من طبيعة التكوين والتكون والانتشار
والانشطار والانفجار, فلها طبيعتها الكونية التي لا تماثلها طبيعة كونية
أخرى فيما عرف من الوجود, وقد أثبت العلم حديثا أن النجوم علي انتشارها
الهائل في السماء تشتمل علي درجة حرارة عالية بدرجة مذهلة, وتنقسم تبعا
لذلك إلى " نجوم حمراء أقلها حرارة 3200 درجة مطلقة – نجوم برتقالية – نجوم
صفراء – نجوم بيضاء مائلة إلي الزرقة – نجوم زرقاء أشدها حرارة 300 ألف
درجة مطلقة – الشمس من النجوم الصفراء متوسطة الحرارة, إذ تبلغ درجة حرارة
سطحها حوالي ستة آلاف درجة مطلقة ."
[28]

ثَانِيًا: المشَاهِدُ الخَفِيَّةُ

يجسد
الفعل الذي لم يسم فاعله أجزاء المشهد الذي نري فيه موسي عليه السلام
يفاجأ بالنداء الذي يأتيه من حيث لا يدري ولا يحتسب فنراه وقد اعترته
الدهشة وهول المفاجأة وأخذ يتلفت هنا وهناك؛ ليقف على حقيقة الصوت يقول
تعالى:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} [طه11]


{فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل8]

{فَلَمَّا
أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ
الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ
رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص30]


وقد
تغاير الفعل من أَتَاهَ إلي جَاءَهَ, لأن"أتي" و"جاء" بمعني واحد, لكن
لكثرة دور أن لفظ الإتيان في طه نحو: " فأتياه", " فلنأتينك", " ثم أتي","
ثم أتُوا صَفًّا "، " حيث أتي ", كان لفظ أتاه به أليق, ولفظ " جاء " في
النمل أكثر نحو: " فلما جاءتهم ", " وجئتك من سبإ ", "فلما جاء سليمان ",
كان لفظ جاءه به أليق, وألحق القصص ب: " طه " لقرب ما بينهما – أي القرب
اللفظي في هذا الموضع
[29]

البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ وَإِفَادَةِ العُمُومِ

يتسم
الأسلوب القرآني الكريم – فيما يتسم – بالمرونة والاتساق مع المشاهد
واللوحات النابضة بحياة الموقف, حتى إننا لنجد الكلمة بذاتها تأتي في عدة
سياقات ولها دلالة مختلفة في كل سياق بحسب ما يقتضيه المعني ويتطلبه
المقام, وكلما ازداد الزمان عمرا, وبلغ الدهر شأوا وغاية انبثقت أساليب
القرآن وكلماته؛ لتشع بضوئها ونورها؛ لتنطلق كائنات الوجود من جديد بمراميه
و دلالته, " وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه, وإعجاز تركيبه بصورة
كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة, وتعاوروه من كل
ناحية, وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا, ثم هو بعد لا يزال عندهم على كل ذلك
خلقا جديدا, ومراما بعيدا, وصعبا شديدا "[30].


والفعل
الذي لم يسم فاعله قد جاء في مواضع كثيرة من القرآن ليدل علي دلالة معينة
في كل سياق حسب اقتضاء المعنى الذي ما كان ليبرز في جلاء أو رسم واضح إذا
جاء الفعل مبنيا للمعلوم، ومن تلك السياقات المفيدة للعموم ما قام فيه ذلك
الفعل الذي لم يسم فاعله بدور بارز في إفادة ذلك المعنى، يقول تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ
مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا
يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا
يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً
أَوضَعِيفاً أَولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوفَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ
بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ
يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا
الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا
أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوكَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ
عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا
تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا
فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة282]


نهي
عن التقاعس عن الدعوة وتلبيها للإدلاء بالشهادة أيا كان الداعي إليها
والحق المطلوب إثباته سواء كان الداعي من القريب أوالصديق أو غيرهما ممن لا
تربطه بالشهيد رابطة ما, ويقول تعالى: {إِنَّمَا
كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور51],
فالدعوة إلي الله ورسوله عامة, لا
تختص بشخص دون شخص, ولا زمان أو مكان دون غيرهما, وإنما يجب الإذعان لله
ورسوله وسرعة التلبية، وتصدير الآية بأسلوب القصر إنم والفعل الماضي كان
فيه مدح للمؤمنين وإثارة لحمية الإيمان وبعث حفيظته في نفوسهم.


ويقول تعالى: {وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُويُدْعَى إِلَى
الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف7]
, أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب علي الله, ويجعل له أندادا وشركاء, وهو يدعى التوحيد والإخلاص
[31] أيا كان الداعي, وأينما كان؛ ويقول تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ
الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة9]
فهنا خصوصية
المنادي عليهم, وهم المؤمنون، وعمومية المنادي أيا كان المنادي, وخصوصية
النداء المقيدة ب: الصلاة, فهو نداء محصور فيها، والفعل نودي مقيدة بالشرط
إذ, وهي أداة نقلت الفعل من الماضي إلي المستقبل المطلق المقطوع بحدوثه كما
دلت إذ، ولهذا جاء التعبير بها دون أن الشرطية التي لا تفيد القطع بوقوع
الحدث.


هذا
ولوُرُودِ الدعاء والنداء خاصية في القرآن الكريم, فالدعاء في الآيات
السابقة بمعنى الدعوة إلي خير كالإدلاء بشهادة أو الدعوة إلى الله عز وجل والنداء
يشتمل على البهجة والسرور, كما " أن للنداء في لغة القران خاصية؛ رشحته
لأن يكون الله فاعلا له – بلا حرج – كما رشحته ليكون عنوان على طلب الإقبال
على الصلاة الآذان, وأن يكون عنوان على طلب الإقبال على الإيمان.


في كل من الدعاء والنداء خير, بيد أن الخير في النداء أخلص وأصغى, وأظهر تفاؤلا, وأنقى معنى " [32] .

وفي مادة ظلم جاء الفعل المبني لمفعوله بصيغه الماضي والمضارع؛ لإفادة العموم –أيضا– يقول تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}[النساء148].

فإطلاق
الظلم دون تحديد يعني عمومه لأنواع الظلم، وهذا الاستثناء في الآية لكريمة
له دلالة خاصة على إظهار بغض الله – تعالى – للظلم وصاحبه, لدرجة أنه أباح
الجهر بالسوء للقضاء على الظلم، وقوله تعالى:
{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ
نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا
بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء47].


فَلا
تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئ فجو الآية كلها يوحي بالعموم والشمول, عموم النفي
للظلم, أوعموم الظلم المنفي الشامل لكل نفس من النفوس, في شيء ما من
الأشياء، والتعبير بالجمع الْمَوَازِينَ والمصدر الْقِسْطَ للدلالة على
تناهي العدل المطلق.


وقوله تعالى:
{ َأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ
بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا
يُظْلَمُونَ} [الزمر69]
فهذا المشهد يزخر بالحركة المهيبة أو يبعث في النفس جوًّا من الجلال والإشراق، إشراق الحق والعدل.


فالأرض
كلها تشرق فتظهر مضيئة بنور ربها وخالقها أي: بعدل ربها, أوبحكم ربها,
والمعنى: أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وقيل:
أن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير نور الشمس
والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي
[33],
ولإبراز صورة الأرض رأي عين, جاء لفظ الإشراق في وعاء الفعل المبني
للمعلوم، ثم تغايرت الأفعال وجاءت غير مسماة الفاعل ووضع – وجئ – وقضي – لا
يظلمون فينصرف الذهن وتشخص الأبصار إلي أجزاء المشهد, فيتسلط الضوء علي
وضع الكتاب وهو كتاب الأعمال – وتمثل صورة النبيين والشهداء من الملائكة
الحفظة على أعمال العباد من خير وشر
[34]، أو الذين يشهدون على الأمم من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم [35]،
نهاية المطاف وخاتمة مشهد أهل الجزاء والإحسان لهذه الفئة؛ ليتسلط الضوء
علي ذلك القضاء أو الوفاء, ولذلك بني الفعل لما لم يسم فاعله وقضى لينفي
عنهم الظلم علي إطلاقه أو في جنس من أجناسه وأشكاله.


وفي
مادة عف ورد هذا الفعل كثيرا في القرآن الكريم بصيغة الماضي والمضارع
المجرد والمسند للضمير, ولكنه لم يرد بصيغة المبني للمجهول إلا في موضع
واحد فقط، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ
عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ
إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ
اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة178]
فليس
المقصود أو الغرض ذكر فاعل العفو, بل هو على إطلاقه, أيا كان، والعفو:
القصد لتناول الشئ, يقال عفاه واعتفاه, أي: قصده متناولا ما عنده، وعفوت
عنه قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه, فالمفعول في الحقيقة متروك, وعن متعلق
بمضمر, فالعفو هو التجافي عن الذنب
[36] .

ومن ذلك العموم قوله تعالى: {إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [لأنفال2]
فليس الغرض متعلقا بمن ذكر
الله اوالشخص الذي تلا آيات الله بل هوعلي إطلاقه أيا كان ذلك الشخص وإنما
يتسلط الضوء علي الذكر نفسه وعلي التلاوة نفسها وما تحدثه من خشية وإيمان.


البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ فِي مَقَامَي الإِنْكَارِ وَالإِيمَانِ

تختلف
الكلمات المختارة وتتغير حسب مقامات الكلام وسياقاته، وما بالنا إذا كانت
تلك السياقات هي سياقات القرآن الكريم التي تحمل المشاهد والدلالات، فيلقي
القارئ أوالسامع آيات الله – تعالى – تتلى عليه بمعنى تألفه نفسه, وكلمات
يعرفها ويرددها في قوله, ولكن تبقى الروح التي تسري في الجسد من أجل أن
تهبه الحياة والحركة الباعثة.


وعندما حدثنا الله عز وجل عن
هؤلاء المعرضين والمنكرين خاطبنا بكلمات لها جرسها وإيقاعها ونغمها اللائق
في النفس, فجاء الفعل المبني للمجهول يمثل حالة الإنكار وعدم الاعتراف
التي يعيشها هؤلاء الكافرون وينغمسون بها في عالم الطي والكتمان، يقول
تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا
يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ
دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[التوبة16]


{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ}[الشعراء146]

{أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً}[القيامة36]

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت2]

ورد
الفعل ترك في القرآن الكريم كثيرا, ولكنه جاء مبينا للمعلوم في الماضي
والمضارع, مسندا للضمير أو مجردا, أو باسم الفاعل للمفرد أو الجمع، ولكنه
ما جاء بصيغة الفعل الذي لم يسم فاعله إلا في هذه الآيات السابقة, وكلها
بصيغه المضارع, التي جاءت كلها في سياق الاستفهام المفيد للإنكار والتوبيخ،
فهو إنكار وعتاب للمؤمنين – كما في آية التوبة – الذين توهموا أن يتركهم
الله – تعالى – دون اختبار؛ حتى يتبين الخلص منهم،" وهم الذين جاهدوا في
سبيل الله لوجه الله, ولم يتخذوا وليجة – أي بطانة – يضادون الرسول
والمؤمنين رضوان الله عليهم, ولم معناها التوقع, وقد دلت على أن تبين ذلك,
وإيضاحه متوقع كائن "
[37]

وفي
آية الشعراء إنكار من نبي الله صالح عليه السلام لثمود وقومه الذين أعرضوا
عن دعوته وقد غرتهم الدنيا وفتنتهم بملذاتها ومادياتها, وفي قوله تعالى:
في ما ها هن " كناية عن قرية صالح عليه السلام، والسر في إيثار اسم الإشارة
ها هن لفت أنظارهم لفتا قويا لمظاهر النعم التي كانوا غارقين فيها، آمنين
حال من نائب الفاعل – واو الجماعة وهو قسيم الترك في الإنكار, إذ ليس ما
سلط عليه الإنكار هو الترك وحده, بل الترك المقرون بالأمن من كل المخاوف ".
[38]

وفي
آية العنكبوت إنكار علي من توهم من المؤمنين أنه يترك دون امتحان واختبار
لمجرد أنه نطق بالشهادة، وفي قوله تعالى: أحسب الناس إيثار الماضي " لأن
حسبان الذي سلط عليه الإنكار واقع متحقق, وإيثار حسب على ظن في هذه المواضع
هو المناسب بلاغة في مقام الإنكار؛ لأن الحسبان أقوى من الظن, فالنفس مع
الحسبان في اطمئنان, ومع الظن في قلق، وفي الناس مجاز مرسل؛ حيث أطلق العام
المنتظم لجميع أفراد الناس, ثم أريد الخاص، وهم الذين حسبوا هذا الحسبان
من المؤمنين ".[39]


وفي آية الإنسان يأتي الإنكار على من توهم أن يترك سدي, أي: لا يبعث[40]، والمقصود هنا إثبات المعاد, والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد. [41]

تبين
مما سبق أن الفعل يترك جاء بصيغة المبني للمجهول؛ لأنه في موضع التوبيخ
والإنكار, فيتطلب الذوق البلاغي ألا يذكر لفظ الفاعل تشريفا وتعظيما
وتنزيها عن الذكر في مثل هذه المواقف, ومن شأن ذلك – أيضا – أن يتسلط الضوء
ويلتفت الذهن إلى الحدث – وهو الترك – وأثره على أهله.


وإذا
نظرنا إلي الفعل يتلى, تتلى الذي جاء في القرآن الكريم غير مسمى الفاعل,
وجدناه قد جاء في موضع الإنكار والحديث عن المعرضين والمنكرين, وقد جاء –
أيضا – في معرض الحديث عن المؤمنين الذين أذعنوا للحق, وأنه قد أتى في حق
المنكرين والمعرضين أكثر، يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَونَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ
هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[لأنفال31] فالفعل المبني للمجهول
يصور إنكارهم وإعراضهم, وكأننا نسمع أصواتهم عالية تقول: نحن نجهل هذا
الكلام ومصدره, وقد جاءت كلمة آياتن مضافة إلي الضمير ن لتقريعهم وتبكيتهم،
وقد نزلت هذه الآية الكريمة في النضر بن الحارث, " وكان خرج إلي الحيرة في
التجارة، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة, وكسرى وقيصر, فلما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضى, قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان هذا وقاحة وكذبا, وقيل: أنهم توهموا أنهم يأتون بمثله "
[42] وقوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون105]

هؤلاء
القوم المخاطبون هم أهل النار, وفيه ترهيب من مصيرهم وتحذير من الوقع في
مثل ما وقعوا فيه من جراء إعراضهم وإنكار تلاوة آيات الله عليهم, ولذلك جاء
التعبير بصيغة المبني للمجهول تتلى لتصور طبيعة الموقف وما كانوا عليه في
دنياهم.


وقد
جاءت تلك الصيغة تتلى في سياق الآية المصدرة بالاستفهام المفيد للتقرير
والإنذار, وقوله: آياتي كناية عن القرآن, والسر البلاغي في إيثارها على
الاسم الصريح, ما فيها من خصوصية الدلالة على المعجزات الباهرة، وأوثر حرف
الجر على على حرف اللام فقال: عليكم دون إليكم للرمز بعلو شأن الآية, وما
فيها من الإيحاء بمعنى الإلزام والعطف بالفاء في فكنتم بها تكذبون للتشنيع
عليهم في سرعة التكذيب.
[43] وقوله تعالى:
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً
وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم73]


وصدرت
الآية الكريمة ب: إذ لأن التلاوة مقطوع بوقوعها, وهي وإن كانت محذوفة
الفاعل لعدم تعلق الغرض به, إلا أن ذلك الحذف يوحى بمقام التوبيخ والذم
والتبكيت, " وتأويل الكلام؛ وإذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا
للذين آمنوا أي الفريقين منا ومنكم أوسع عيشا وأنعم بالا وأفضل مسكنا وأحسن
مجلسا وأجمع عددا وغاشيته في المجلس نحن أم أنتم "
[44].

وقوله تعالى:
{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى
عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية7- 8]

فهوأفاك كذاب, لا يكتفي بالإعراض والتولي, ولكنه يصر على الكبر
والاستكبار، هذا ومن الملاحظ أن تلك الآيات ومثيلتها التي جاءت في معرض
الحديث عن المعرضين جاء الفعل الذي لم يسم فاعله تتلى – يتلى مقرونا
بالكناية عن القرآن الكريم بكلمة الآيات المتصلة بالضمير التفخيمي الدال
على عظمة الله – سبحانه – فنزل الآيات, نحو آياتنا – آياتي.


بينما لم يطرد ذلك الاتصال في معرض الحديث عن المؤمنين الموقنين مثل قوله تعالى: {ذَلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوخَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ
الزُّورِ}[الحج30]
فسياق الآية الكريمة وما قبلها يتحدث عن المؤمنين
وأدائهم مناسك الحج, وهم أصحاب عقيدة راسخة وإيمان بالغيب, فلم تكن هناك
حاجة لذكر لفظ الفاعل, فلم يعد الغرض متعلقا به بقدر ما يتعلق بحدث التلاوة
وما اشتملت عليه من تنبيهات وتعالى خاصة بالمؤمنين, ومنه – أيضا – قوله
تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} [الأحزاب34]


وربما
جاء فاعل التلاوة ظاهر العيان مثبت الوجود سواء كان في معرض الحديث عن
المعرضين أو المؤمنين, وذلك حسب ما يقتضيه السياق ويتطلبه المقام, فقد جاء –
مثلا – ظاهرا في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا
تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ
وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا
أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا
يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا
تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ
الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوكَانُوا يَعْلَمُونَ}
[البقرة102].


فتعين
هنا بناء الفعل للمعلوم لاقتضاء المقام إظهار ذلك الفاعل الشياطين الذين
يحدثون ويتسلون على ملك سليمان, فتظهر تلك التلاوة جلية واضحة متقررة الأثر
في الأذهان.


وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة252] بناء الفعل للمعلوم لتحقيق أمر العقيدة وإثبات الوحي من الله تعالى, وتحقيق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينطق عن الهوى, فيظهر ذلك جليا في مثل هذه المقامات خصوصًا، وقوله تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران58]


وردة رحــــمــــــــك الله أماه
   وأسكنك فسيح
    جنــــاتـــــه..
 وردة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.helpub.com
القيصر العربي
عضو نشيط
عضو  نشيط


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 7543

مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثاني من الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول    11.06.11 17:34

جزاك الله خيرا كثيرا لا تحرمنا مثل هذا الموضوع



منتدانا في خدمتكم
فكونوا دوما معنا
على
[b]http://www.helpub.com/ [/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اعصار
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 27242

مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثاني من الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول    11.06.11 18:02

مشكور على المرور أخي والرد الجميل بارك الله فيك


وردة رحــــمــــــــك الله أماه
   وأسكنك فسيح
    جنــــاتـــــه..
 وردة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.helpub.com
أبو سليمان
المشرفون
المشرفون


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 3412
تاريخ الميلاد : 03/11/1996
العمر : 20

مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثاني من الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول    12.06.11 16:17

موضوع جميل بارك الله فيك



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اعصار
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام


احترام القوانين : 100 %
عدد المساهمات : 27242

مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثاني من الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول    12.06.11 16:29

مشكور على المرور بارك الله فيك


وردة رحــــمــــــــك الله أماه
   وأسكنك فسيح
    جنــــاتـــــه..
 وردة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.helpub.com
 

الجزء الثاني من الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1



صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الجزائريين والعرب :: الركن الإسلامي :: منوعات إسلامية
-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع